مصعب الريح رشاش يكتب : الصفقة غير المعلنة بين الدولة و المواطن
Rushash72@gmail.com
قبل سنوات , خلال دورة تدريبية أخبرنا المحاضر أن والدته التي عاشت في قريتهم بالبطانة لم تسمع بالدولة و لم تسمع الدولة بها و لم يلتقيا أبداَ طوال سنوات حياتها التي جاوزت الثمانين , حتى لاقت ربها . لم يسجل اسمها في سجلات الإحصاء عندما ولدت . لم تستخرج أي مستند رسمي طوال حياتها , لم تنتخب أحداً بل لم تتخذ يوماً أي موقف فيما يجري بالبلاد . لم تذهب إلى مستشفى حكومي أو مدرسة أو قسم شرطة أو محكمة دولة . لم تدفع ضريبة و لم تقدم أية خدمة للدولة و بالمقابل لم تتلق إعانة أو أي خدمة حكومية حتى ماتت .
الطرفة المحزنة أعلاه تقودنا مباشرة إلى تساؤل غير مطروح كثيراً في أدبيات و نقاش السودانيين حول الشأن العام . ما هي طبيعة العقد الإجتماعي بين الدولة و المواطن السوداني ؟ أو بعبارة أكثر دقة ما هي العلاقة التعاقدية الملزمة المبرمة بين الدولة و المواطن التي توضح الواجبات و الحقوق المتبادلة و شروط المواطنة العامة التي تصلح لأن يصنف المواطن على أساسها إلى مواطن صالح و مواطن غير صالح . و في الجانب الآخر ما هي واجبات الدولة و التزاماتها تجاه مواطنيها و التي من خلالها نستطيع الحكم على الدولة بأنها ناجحة أو فاشلة ؟ جيدة أم سيئة ؟ جادة أم مراوغة ؟ .
نشأ مفهوم العقد الاجتماعي في القرن السادس عشر . و انتظم المفهوم في عدة نظريات تتناول توصيف و ضبط و تأطير العلاقة القائمة بين الدولة و المواطن . توماس هوبز ( 1588 / 1679 ) , أحد أهم مفكري نظريات العقد الإجتماعي يرى أن العقد الإجتماعي يتنازل بموجبه الأفراد عن حريتهم المطلقة لصالح سلطة قوية لضمان ( الأمن ) . أما المفكر الانجليزي الشهير جون لوك ( 1632 / 1704 ) فيذهب إلى أن ضرورة العقد الاجتماعي تكمن في أنه يحمي الحقوق الطبيعية ( الحرية , الحياة و الملكية ) للأفراد . و أن سلوك الدولة يجب أن يقيد بالقانون لضمان توفير حقوق المواطنة . و أن الأفراد يحق لهم الثورة على السلطة إذا ما انتهكت حقوقهم . أما شيخ مفكري نظريات العقد الاجتماعي الفرنسي جان جاك روسو ( 1712 / 1778 ) فيقول بأن الأفراد يتنازلون عن إرادتهم الفردية من أجل الإرادة العامة . و الإرادة العامة هي خيرة بالضرورة لأنها عامة , أي تعبر عن مجموع الإرادات الفردية .
و اتفقت كل نظريات العقد الإجتماعي على الشرعية السياسية التي تستند إلى رضا المحكومين . و أن الدولة أداة لحماية الحقوق و تحقيق الإرادة العامة ( ما يطلبه المواطنون و يتطلعون إليه ) . و أن الفرد ليس تابعاً بل شريكاً في تشكيل السلطة . و أن علاقة الفرد بالدولة تقوم على التوازن بين الحقوق الفردية و واجبات المواطنة .
إن الأمور تمضي , في كثير من النواحي , في سودان الخير و الطيبة هذا على الفطرة و ( بالنية ) . يعيش الناس و الدولة ها هنا من دون علاقة تعاقدية واضحة . لا يدرس الطلاب القيم و المفاهيم و الأسس التي تؤطر العلاقة بين الفرد و الدولة . و ليس لدى الإعلام و وسائل التثقيف برامج تشرح و تثقف الأفراد حول الواجات و الحقوق الوطنية .
و لذلك تمارس الدولة و الأفراد حياتهم من دون التقيد أو الإهتداء بشروط أو قانون وطني من أي نوع . معظم القرى و المناطق في البلاد ما زالت تعيش بذات الأدوات و الوسائل بل و المناهج و القيم التي وجدهم عليها محمد علي باشا عندما غزا السودان قبل مائتي عام .
ثلاثون بالمئة فقط من السكان يتمتعون الآن بخدمة الكهرباء العامة . و الآخرون ما زالوا يقضون حوائجهم , يزرعون و يرعون حيواناتهم بذات الآلات و الوسائل و التقنيات التي ورثوها من ممالك علوة و المقرة و الفور و تقلي و سنار . و كثير من السكان لا يزالون ينتظرون وعد الدولة بتشييد طريق أو جسر أو سد مائي منذ عشرات السنوات . و الدولة تسير أعمالها في هذا البلد و أنت حل بهذا البلد , بكل تثاؤب و تثاقل و ارتياح للآخر . لا ضغوط على الدولة فيما يحدث من تأخير أو تأجيل أو عدم اهتمام بتقديم الخدمات .
هذا واقع غريب في عالم اليوم . فالحكومات في دول العالم اليوم باتت تعمل تحت وطأة ضغط هائل فتقدم خدمات الزامية كبيرة لمواطنيها محمية بالدستور و القانون . فمثلاً التعليم في الهند ذات المليار و نصف المليار نسمة مجاني و الزامي للأطفال من سن 6 سنوات إلى 14 سنة وفقاً لقانون الحق في التعليم . و تقدم الدولة 12000 منحة دراسة جامعة مجانية سنويا . و تمنح قروض ميسرة من دون فائدة للباحثين و طلاب الدراسات العليا . و تقدم الحكومة وجبة إفطار مجانية يومية ل118 مليون طفل في المدارس بتكلفة سنوية تبلغ نحو 2 مليار دولار فتأمل ! . هذه الوجبات تكفي لإطعام كل السودانيين ( 40 مليون ) ثلاث وجبات يومية طول العمر . و الدولة تقدم الحبوب ( القمح و الذرة و الأرز ) مجاناً لعدد 814 مليون شخص سنوياً بقيمة تصل إلى 24 مليار دولار .
و المدهش في الأمر أن الوضع المثير الذي نعيشه في السودان قلما يقلق الكثيرون أو يشعرهم بنقص أو تخلف أو ضياع الوقت أو أي سوء ما . يحدث هذا التأقلم و الرضا و ( الطناش ) من جانب الأفراد لعلة في غاية الغرابة . العلة في ذلك هي أن الأفراد يتقبلون الأمر لأنهم في المقابل يقضون حياتهم بكل حرية و من دون أي التزام أو واجبات و الزام مباشر من جانب الدولة .
عند عبور الحدود الى داخل إثيوبيا في منطقة القلابات فإن أول ما يلفت النظر هو أن آخر ( كشك ) داخل الحدود الإثيوبية تعلق على على مدخله كل الشهادات و الرخص و التصاريح الرسمية التي تؤكد أهلية المحل قانونياً لمزاولة النشاط . أما هنا في السودان فقد ظلت عشرات الشركات الكبرى و المؤسسات الخاصة التي تقع على بعد خطوات من القصر الجمهوري و المجسل التجاري العام تعمل دون أن تجدد المستندات اللازمة لسنوات طويلة و دون التزام منتظم بسداد ما عليها من رسوم و ضرائب و مساهمة وطنية .
مما سبق يبدو أنه حدث تراضٍ غير معلن عبر العصور بين الدولة و المواطن ملخصه أن يترك كل منهما الآخر و شأنه . اتفاق صامت مبني على قاعدة لكم دينكم و لي دين . حتى إذا ما حدث يوماً و قدمت الدولة شيئا للمواطن فإنها تعتبر ذلك فضل ظهر أو منحة أو هبة تستحق الشكر و الامتنان . لا ترى في ذلك واجباً و لا تعتبر الدولة نفسها وكيلاً عن الأفراد واجبها يحتم عليها خدمتهم و السعي إلى تحقيق رغباتهم و تطلعاتهم . كذلك إذا اضطر الفرد يوماً إلى دفع المال للدولة فإنه يعتبر ذلك اعتداء من الدولة على ماله الشخصي و اهداراً لثروته الخاصة .
هذا الوضع الشاذ لا يقدم أمة و لا يبني دولة محترمة تستحق المنافسة في مضمار سباق الأمم نحو المستقبل . لأن المواطن و الدولة يعيشان في حالة استرخاء تام لا يستشعران المخاطر و الحراك الدولي المحموم من أجل التطور و البقاء في عالم بات شعاره البقاء للأكثر تنظيماً و انضباطاً و من يملك خطة و طموح واضحا المعالم . هذا الحال الغريب سيجمد حراك الدولة في محطة واحدة سنظل نلف و ندور فيها إلى ما يشاء الله . لأن الجماعة لا تحرز تقدماً من أي نوع ما لم تجتمع على الانضباط و الالتزام الصارم بقانون و عقد و قواعد عامة متفق عليها .
و العقد الاجتماعي مهمة لا تنجزها حكومة أو حزب أو نظام . إنها مهمة تهم الأمة كلها . هي خلاصة فكر و تجارب و خبرات و وعي الأفراد و مؤسسات البلاد الأكاديمية و العلمية و منظمات المجتمع المدني و أندية و منابر النخب .





