بهاء الدين عيسى يكتب : «السودان» .. وطن يبحث عن طريق الخلاص
من قلب المعاناة وجحيم الحرب أرى أن مشكلة السودان ليست في شخصٍ أو فصيلٍ بعينه، ولا في نظامٍ بعينه، بل في شهوةٍ مزمنةٍ للسلطة استوطنت في عقل المؤسسة العسكرية منذ فجر الاستقلال. فمنذ أن دخل العسكر إلى ساحة السياسة، تعاقبت الانقلابات والانقسامات، وتبدّلت الوجوه والشعارات، لكن جوهر الأزمة ظل واحدًا: إجهاض كل فرصة لتحولٍ ديمقراطي حقيقي.
لقد ظل السودان، عبر أكثر من ستة عقود، يدور في حلقةٍ مفرغة من الحكم الشمولي والانتفاضات، دون أن ينجح في تأسيس عقدٍ اجتماعي جديد يضمن تداول السلطة بالرضا الشعبي لا بالقوة. وما زلنا اليوم أسرى لماضٍ ولّى، نحمل حنينًا لأحلامٍ مؤجلة بمستقبلٍ أكثر عدلاً وإنصافًا، بينما نكابد واقعًا مريرًا تزداد فيه قسوة الحرب وضبابية الرؤية.
كل الشعوب التي عانت من ويلات الحرب خرجت منها أكثر وعيًا وتماسكًا، إلا نحن. ما زلنا نستدعي الكراهية كأنها قدرٌ محتوم، ونمزّق نسيجنا الاجتماعي بخطابات التخوين، ونمارس وصايةً فكرية على معنى الوطنية.
بينما الحقيقة أن الوطنية لا تُحتكر، ولا تُمنح كوسام، بل تُبنى من خلال الإيمان بالمواطَنة المتساوية، والاحترام المتبادل بين المختلفين في الرأي والانتماء.
اليوم، نحن بحاجة إلى حوارٍ وطني صادق وشجاع، لا يقوم على تقاسم المناصب، بل على إعادة تعريف أسس الدولة نفسها: كيف تُحكم؟ وبأي قيم تُدار؟ يجب أن ننتقل من سؤال “من يحكم السودان؟” إلى سؤالٍ أكثر جوهرية: “كيف يُحكم السودان؟”. ذلك هو المدخل الحقيقي لأي تحول ديمقراطي مستدام.
الموارد والحقائق الاقتصادية: وفرةٌ مُهدرة بسبب الفساد
تمثل الموارد الطبيعية (النفط، المعادن، الغابات) في السودان نسبة متراوِحة حول 11 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في فترة ما قبل الحرب، لكنها تراجعت بعد ذلك بسبب فقدان إيرادات النفط.
في السنوات الأخيرة، مدّت صناعة الذهب في السودان دخلاً يقدَّر بمليارات الدولارات؛ فمثلاً تمت الإشارة إلى إنتاج نحو 80 طنًّا من الذهب وإيرادات تقديرية تتجاوز 6 مليارات دولار.
الناتج المحلي للفرد (GDP per capita) في السودان يُسجّل حوالي 581 دولارًا أمريكيًا في عام 2024، ما يضع البلد في مراتب متأخرة مقارنة بالدول الأخرى.
على الرغم من الموارد الضخمة، تفيد الدراسات بأن الإيرادات الطبيعية لم تُستثمر بشكل فعال في رأس المال البشري أو البنية التحتية بسبب الفساد وسوء الإدارة، ما يجعل الوفرة الحقيقية ضائعة ويزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
هذه الإحصائيات تُعزّز ما أراه من أن المشكلة ليست في الوفرة أو الندرة فحسب، بل في كمية الإمكانات التي تُهدر أو تُحتكر بدلاً من أن تُوزّع وتُدار لصالح الجميع.
ومن واقع التجربة والتأمل، أرى أن النظام الفيدرالي الكامل هو الطريق الأمثل لبناء دولةٍ عادلة تُنصف الأقاليم وتُوزّع السلطة والثروة بعدالة. لقد أثبتت التجربة أن المركزية الصارمة لم تنتج سوى التهميش والغبن، وأن الخرطوم تحولت إلى دولة داخل الدولة، بينما تُركت بقية الأقاليم فريسةً للفقر والصراعات. الفيدرالية ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة سياسية وإنسانية لإعادة التوازن وبناء الثقة بين المواطن والدولة.
يمتلك السودان من الموارد ما يؤهله لأن يكون في مصاف الدول الصاعدة: أراضٍ خصبة، أنهارٌ غزيرة، ثرواتٌ باطنية هائلة، وعقولٌ لامعة في الداخل والخارج. لكننا نفتقد الإدارة الرشيدة والإرادة الوطنية الصافية. مشكلتنا لم تكن في الندرة، بل في غياب الرؤية واتساع الفساد الإداري والاقتصادي الذي التهم مقدرات الدولة.
قبل أيام، حدّثني صديق سوداني يقيم في رواندا عن تجربتها والتي نهضت من رماد الإبادة إلى مصاف الاقتصادات الواعدة في إفريقيا. قال لي إن سرّ التحول لم يكن في الموارد، بل في القرار السياسي الشجاع بالمصالحة والبدء من جديد. إنها رسالة مباشرة إلى السودان بأن النهوض ليس حلمًا مستحيلًا، بل خيار إراديّ يتطلب مصالحة وطنية شاملة ومحاسبة منصفة تُنهي دوامة الانتقام والثأر.
وما زلت أذكر محادثة عابرة مع سائق تاكسي هندي في الدوحة، سألني بدهشة بعد أن علم بثروات بلادي: “إذًا، لماذا الحرب؟”. توقفت لحظة قبل أن أجيب: الحرب عندنا ليست بسبب ندرة الموارد، بل بسبب وفرتها وسوء إدارتها، وبسبب عجزنا عن الاتفاق على كيف نعيش معًا في وطنٍ واحدٍ يتسع للجميع.
السودان لا يحتاج إلى مزيدٍ من البنادق، بل إلى إرادةٍ صادقة وقلوبٍ مفتوحة. يحتاج إلى قيادةٍ تُدرك أن الأمن الحقيقي لا تصنعه الجيوش وحدها، بل العدالة والمساواة وتوزيع الفرص. فكل الطرق التي تقود إلى الغد تبدأ من كلمة واحدة: التوافق.
وحين نتوافق، سنكتشف أن السودان لم يكن فقيرًا يومًا، بل أفقرناه نحن حين اختلفنا على من يملكه بدلًا من أن نتشارك في بنائه.
—
حقوق النشر
© 2025 شبكة الخبر. جميع الحقوق محفوظة. هذا المقال ملك لشبكة الخبر ولا يجوز نسخه أو إعادة نشره دون إذن خطي مسبق من إدارة الشبكة.
–






