جعفر عباس يكتب: مواقف وطرائف في بريطانيا
خلال عملي في تلفزيون بي بي سي، كانت ابنتي عبير مثل أمها تكره لندن وما جاورها، بينما كان غسان ومروة ولؤي فرحين بالوجود فيها. سبب ضيق عبير هو أنّه رغم كونها في مدرسة بنات غير مختلطة، إلا أنها كانت تشكو من أن البنات قليلات الأدب. وذات مرة أتتني رسالة من إدارة مدرستها تطلب أن أقرر ما إذا كنت أرغب في أن تحضر عبير حصص التربية الجنسية. فشاورت عبير، فصاحت: «ديل الجغرافيا والتاريخ والكيمياء وكل المواد عندهن تربية جنسية! كمان دايرين يجيبوا ليها معلمة؟»
عبير طبعاً رفضت الزي المدرسي لأنه كان عبارة عن تنّورة قصيرة، ولأنهم ديمقراطيون سمحوا لها بزي «قاطعاه من رأسها».
كنت أنظم رحلات بين الحين والآخر لـ«أم الجعافر»: متحف الشمع وحديقة الحيوان، مع التركيز على المتحف البريطاني الذي حرصت فيه على أن ترى الكم الهائل من آثار حضارة كرمة التي سرقها البريطانيون، وبالمرة تعرف أنها محظوظة لأنها متزوجة بواحدٍ جده ترهاقا وحبوبته كنداكة، و«تبوس يدها وشّ وضهر».
وذهبت بها مرارًا إلى ميدان ترافلغار، لأن لي ثأرًا قديمًا مع الحمام هناك؛ ففي أول زيارة لي إلى لندن حرصت على التقاط صور مع ذلك الحمام كدليل قاطع على أنني كنت في بريطانيا. وكان أصدقائي ينتظرون أن أعود إليهم ومعي صور تحكي غزواتي ونزواتي مع أمثال كريستينا وجوليا وكلوديا، وكان ما كان من زيارتي لجاري الإنجليزي والفوز بعدد من لحسات/ بوسات كلبه الضخم.
المهم أنني ذهبت إلى ميدان ترافلغار، ورأيت المئات يشترون الحبوب ويضعونها في أيديهم المفتوحة فتأتي الحمائم وتستقر على أذرعهم وأكتافهم تلتقط الحبّ. ففعلت الشيء نفسه، ولكن لم «تعبّرني» ولا حمامة واحدة. فزهجت ونثرت ما معي من حبوب على الأرض فهبطت عليها عشرات الحمائم. اشتريت كمية أخرى ومددت كفي وذراعي، فجاءت حمامة وحلّقت من حولي فاستبشرت خيرًا، ثم أحسست بشيء رطب ولزج في «فروّة» رأسي! واكتشفت أن تلك الحمامة «عملتها». فأصابتني نوبة هياج وصحت بلسان عربي فصيح: «يا حمام يا عنصري ومغرور! سيد البلد جعفور!».
في سنوات لاحقة زارت أم الجعافر بريطانيا بقلب في منتهى الانشراح، ومنها تلك المرة التي حضرنا فيها تخريج مروة من جامعة أبردين الاسكتلندية، في يوم شديد البرودة لدرجة أنّهم كانوا يقدمون جرعات من الويسكي والنبيذ لضيوف الحفل عند مدخل قاعة التخريج. ثم بدأوا في نداء أسماء الطلاب وجاء الدور على «مروة أبّاس»، وسمعت المدام تصيح «أي!»، فأعطيتها «فاول» (ضربة خفيفة في قدمها)، لأنني أدركت أن تكملة الـ«أي» تلك كانت «يووي يوي».
وبعدها بسنوات كان تخريج عبير من جامعة إكستر في غرب إنجلترا، وعندما نادوا اسمها صاحت أم الجعافر: «الله أكبر!». فكدت أصيح: «يا جماعة الولية دي تبع منو؟»، فالغربيون يحسبون أن عبارة «الله أكبر» لا تُقال إلا عند ممارسة التفجير والإرهاب! وفوجئت بتعالي الضحكات في القاعة، وحمدت الله أن ذلك لم يحدث في أمريكا لأن رجال الأمن هناك لديهم حساسية زائدة تجاه «الله أكبر».






