جعفر عباس يكتب: فتك ومتك اللغة
ليست لدي ذكريات كثيرة عن فترة دراستي في مدرسة بدين الأولية، لأنني أتيتها ناطقاً بالعربية، وجاهلاً بالنوبية، وظللت طوال أكثر من ثلاث سنوات فيها غريباً وعاجزاً عن التواصل مع الزملاء. ولكن اللغة العربية أنقذتني من غضب أستاذ محمد اختيار. عندما كنا في السنة الثانية طُلب منا تسميع نشيد طلع البدر علينا، واحداً تلو الآخر، فانفتحت الحناجر: تلا البدر علينا من سنيات الوداع / وجب الشكر علينا مرحباً يا خير داع. وكنت وثلاثة آخرين من أبناء كرمة قد نطقنا الكلمات على النحو الصحيح، فانفجر المسكين: الرسول سيد الخلق خير “داء” يا أولاد الكلب! وأضاف ما معناه: إلهي داء ما يخلي فيكم نفاخ النار! واختفى الرجل بعد أن طلب النقل من مدرستنا، فكان أن نقلوه إلى الجنوب، حيث قتله المتمردون بعد وصوله بنحو شهر. وهكذا دمه معلّق في رقاب أولاد بدين.
كان يحيرني صياح بعض التلاميذ خلال الاستراحات بين الحصص: مين دال له شي؟ وبعد تحريات عرفت أن ما يحدث هو أن أحدهم يجد شيئاً (قلم أو كتاب) فقده تلميذ آخر، ويريد أن يتساءل: مين ضاع له شيء؟ ومعلوم أن محاولة نطق حروف: ث، ح، خ، ذ، ز، ص، ض، ظ، ع، غ، تسبب للمرأة النوبية تضخماً في البروستات، وللرجل النوبي تكيّس المبايض! وحكى زميل يسكن الداخلية عن تلميذ ذهب إلى المدرس مقدماً شكوى هذا نصها: فندي، أنا كتو هتو كوس لقيتو إن أسمان سرقت جسلاني. وبعد الاستعانة بعلماء اللغة فهم المدرس أن الشاكي يقول إنه كان خت كوس (كوز) داخل الشنطة، ومعه جسلاني (جزلاني)، وطالما وجد الكوس (إن) عند أسمان (عثمان)، فمعنى ذلك أنه سرق الجسلان (الجزلان).
كنت في الصف الثالث وكانت الحصة دين والمدرّس جدي حاج فرحان، عندما فوجئت بخالي أبيض يقف أمام حجرة الدراسة وهو على ظهر حماره. اسمه محمد وأسموه أبيض لأنه لم يكن يقسم بالله أو بغير الله، ولا يكذب. وهمس بشيء في أذن حاج فرحان الذي صاح: جعفر.. إنين أُنوسو.. إنجا نوقلا نق (أمك ولدت.. قوم امشي البيت). وصرت زي السمسمة، فالأولاد عموماً يتحرجون من الكلام عن حمل وولادة أمهاتهم. وطوال المرحلة المتوسطة في البرقيق، كان بعض زملائي من بدين، وكلما وجدوني مندمجاً في ونسة صاحوا: جافر.. إنين أنوسو! وأتمنى لو تنفتح الأرض وتبتلعني.






