25) أكتوبر و (15) أبريل: حين تتبدّل معاني الخيانة بتبدُّل مواقع البنادق!

تحليل سياسي ـ شبكة الخبر
التسويغ الذي استُخدم في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ بُني على فرضية تقول إن الانقلاب على سلطة انتقالية غير منتخبة لا يُعد جريمة سياسية مكتملة الأركان. المفارقة أنّ هذا المنطق نفسه استُخدم لاحقًا في الاتجاه المعاكس لتجريم تمرّد الدعم السريع في ١٥ أبريل ٢٠٢٣، رغم أنّ الخصم حينها كان سلطة انقلابية فقدت مقومات الشرعية الدستورية.
هذا الاضطراب في المفاهيم يؤكد أنّ الخطاب السياسي لم يكن محكومًا بمبادئ أو قواعد ثابتة، بل كان خاضعًا لميزان المصلحة الآنية لكل طرف، ما كشف عن هشاشة أطر الشرعية السياسية في السودان وغياب قاعدة قانونية راسخة يمكن أن تحدد الفرق بين الانقلاب المشروع والتمرد غير المشروع.
الدولة التي تآكلت بين «تصحيح المسار» و«الحسم العسكري»
انقلاب ٢٥ أكتوبر جاء تحت شعار حماية البلاد من حرب أهلية، لكن النتيجة جاءت عكسية تمامًا. انفتحت أبواب الحرب الأهلية على مصاريعها، وانهارت بقية مؤسسات الانتقال، وفُتح المجال واسعًا لسباق السلاح بين مراكز القوة المختلفة.
كل طرف رفع شعار «الإنقاذ الوطني»، وكل طرف انتهى به الأمر إلى إحراق ما تبقى من الوطن. التجربة أكدت أنّ مجرد رفع شعارات وطنية لا يضمن شرعية الفعل السياسي، وأن قوة السلاح وحدها لا تصنع دولة، بل تُفككها.
حين تصبح البندقية فقيهًا دستوريًا
حجج تبرير الانقلاب سقطت سريعًا أمام واقع الدم. إذا جاز إسقاط حكومة انتقالية بقوة السلاح لأنها غير منتخبة، فما الذي يمنع فصيلًا مسلحًا آخر من فعل الشيء ذاته؟ القوة تصبح هي الحاكم الفعلي، والشرعية الرسمية تسقط بلا رحمة، والثقة الشعبية تتبخر أمام العنف.
في المقابل، جرى نزع أي شرعية عن الدعم السريع والحديث عن «الخيانة العظمى»، من دون الرجوع إلى قاعدة واضحة تحدد من المخوّل أصلًا بحمل صك الشرعية، ما يعكس ازدواج المعايير في التعامل مع الأزمة السياسية.
حين تتشابه الأفعال وتتعارض الأحكام
كلا الحدثين استخدم القوة العسكرية لإعادة تشكيل السلطة، وكلاهما استهدف سلطة بلا تفويض انتخابي، وقدّم كل طرف تبريرات وطنية كغطاء سياسي. ومع ذلك، أحدهما صار يُسمّى «تصحيحًا»، والآخر أصبح «خيانة». هذه المفارقة تؤكد أنّ المنطق القانوني والسياسي غائب، وأن الأحكام تتغير بحسب موقع الفاعل لا بحسب طبيعة الفعل.
صراع سلطة بلا مشروع دولة
الأطراف المتصارعة التقت في نقطة واحدة، وهي إقصاء مبدأ التداول السلمي للسلطة. سقوط البوصلة المدنية جعل الساحة مفتوحة لجحيم الاستقطاب السياسي والاجتماعي. غابت الإصلاحات، وحضرت لغة القوة وحدها كمرجعية وحيدة لاتخاذ القرار.
تضخم النفوذ العسكري بلا رقيب قاد إلى لحظة الانفجار الأكبر. انفلات السلاح أصبح القاعدة، والشرعية الاستثنائية تحوّلت إلى «نظام دائم بلا عقد اجتماعي»، ما جعل السودانيين أسرى دائرة لا تنتهي من العنف والفوضى.
أين النجاة من هذه الحلقة الجهنمية؟
سودان الغد يحتاج إلى تعريف واضح ونهائي لمشروعية استخدام القوة بما يحد من الانتهاكات ويضع الضوابط القانونية، وتحيد المؤسسة العسكرية وإعادتها لدورها الدستوري كحامية للبلاد، لا كطرف سياسي متصارع. يحتاج أيضًا إلى هيئات عدالة انتقالية قادرة على محاسبة الجميع بلا انتقام لضمان العدالة والمساءلة، وإلى اتفاق سياسي يلتزم به جميع الأطراف، غير خاضع لتهديد البنادق أو استخدام القوة. المحاسبة الصارمة لكل من ارتكب الانقلاب أو التمرد على حد سواء تضع قاعدة ثابتة تمنع تكرار الانهيارات.
الطريق ليس سهلاً، لكنه الطريق الوحيد الذي يمكن أن يوقف النزيف ويعيد السودان إلى مسار الاستقرار.
المأزق السوداني
حين يصبح الانقلاب «إصلاحًا»، ويصبح الرفض «خيانة»، وتُستبدل القوانين بالأعيرة النارية، تتفتت الدولة قبل أن تنتصر أي بندقية، ويصبح المواطنون هم الضحية الأولى في هذه المعادلة القاتلة.
السودان لن يخرج من هذا النفق حتى تُستعاد القاعدة الأولى: لا شرعية تُبنى على فوهات البنادق، ولا أمن يُصنع بتمزيق الوطن.











