آراء ومقالات

عمادالدين ميرغني يكتب : (21) أكتوبر .. تكرار الذاكرة والدائرة الشريرة

ما أن يُذكر تاريخ 21 أكتوبر حتى يحضر في ذهن السودانيين أيام النضال التي تجملت في لوحات شاعرية غنائية تصدرتها ثنائية هاشم صديق وود الأمين في الكلمات:

يا صحو الشعب الجبار 

يا لهب الثورة العملاقة 

يا ملهم غضب الأحرار

وثنائية محمد المكي إبراهيم ومحمد وردي في الكلمات:

باسمك الأخضر يا اكتوبر 

الأرض تغني 

والحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمني.

فما زالت الذكريات الملحمية حاضرة في وجدان الشعب السوداني، وكررها في تجاربه التاريخية الأخرى في أبريل 1985 وفي ملحمة ديسمبر 2018 التي امتدت حتى أبريل 2019. غير أن هذه الذكريات الملحمية تستصحب معها دائرة ظلت تتكرر على مدار تاريخ هذه الدولة الحديثة منذ عام 1955 وحتى هذه اللحظة….

في كل عام يمر علينا ذكرى ثورة 21 أكتوبر، التي أسقط فيها الشعب السوداني نظام إبراهيم عبود الدكتاتوري عام 1964. فهي ملحمة تاريخية من حيث الفعل، فقد عبّرت الجماهير من خلالها عن إرادتها للتغيير وتوقها للحرية، فهذا ما تجسد في مشهد صورة الحشود التي خرجت في قلب مدينة الخرطوم، يحملون صورة الشهيد أحمد القرشي الذي قُتِل غدراً برصاص النظام الدكتاتوري.

في هذا اليوم أعلن إبراهيم عبود تنحيه عن السلطة، ليتم كتابة عهد جديد في تاريخ الدولة السودانية. فالحراكات التي حدثت وصولاً إلى هذا اليوم تحديداً كانت سبباً في إسقاط النظام الدكتاتوري. فمقتل الشهيد أحمد القرشي كان بمثابة قرع مدوي لأجراس الحرية، فتشكلت جبهة الهيئات وهي الجبهة التي ضمت النقابات المهنية، وجبهة الأحزاب التي ضمت الأحزاب السياسية.

21 أكتوبر، التاريخ الذي نذكره جميعاً، ليس تاريخ يوم فحسب، بل هو تراكم ممتد. وعندما نتحدث عن هذا التراكم نجده جدير بالدراسة والنقد. فإدارة المشهد السياسي الذي تمخض عن هذه الثورة لا تنفك ولا تنفصل عن ما يحدث الآن.

كيف لا والمقارنات والمقاربات بين اليوم والأمس تشير إلى ذات المشاكل والمعضلات التي نعانيها ضمن أزمة الدولة السودانية، حالة ربما يمكن تلخيصها في بيت الشعر من أغنية صوت الإستحالة “المناظر هي ذاتا والصور نفس المشاهد”.

فما أن تم الإعلان عن بداية الفترة الإنتقالية بإدارة مشتركة بين جبهة الهيئات وجبهة الأحزاب برئاسة سر الختم الخليفة، حتى بدأت سلسلة الخلافات والانقسامات بين جبهة الهيئات وجبهة الأحزاب على كيفية الإدارة، حتى إن الإنتخابات العامة التي كانت في فبراير عام 1965 لم تنتج عنها نظام ديمقراطي راسخ ومستقر.

ولعل ما رصده وقام بتحليله الراحل منصور خالد في كتابه “النخبة السودانية وإدمان الفشل” عكس الكثير من واقع أزمة السياسة السودانية، وهو المرجع الذي ساهم في صياغة ورقة كانت بمثابة تشخيص عميق وموضوعي، وهي ورقة “ديمقراطية بلا ديمقراطيين” التي قامت بصياغتها الكاتبة رشا عوض بمساعدة شمس الدين ضو البيت.

واستناداً إلى هذه المراجع، فإن أزمة السياسة السودانية تلخصت في إدارة المشهد على معادلة الخلافات والإنقسامات والتشظي بدافع الإقصاء، لا بإدارة الاختلافات بنظام يحمي وجود الكل في المشهد في ظل نظام ديمقراطي حقيقي.

فاستمرار النظام الديمقراطي يتطلب الإيمان بالديمقراطية نفسها. لكن المتابع لسنوات الديمقراطية الثانية يجد فيها أن الديمقراطية لم تكن سوى وسيلة تكتيكية في مسرح الإقصاء.

فالشاهد على الأمر، أن جنوب السودان الذي اندلعت فيه نيران الحروب في خمسينيات القرن الماضي، لم يكن له النصيب بالدخول بشكل حقيقي في خضم المنافسة الديمقراطية، وذلك لأنه لم يتم حسم قضيته بسلام حقيقي ومستدام يضمن له الوجود الحقيقي والواقعي في النظام الديمقراطي للدولة.

كما أن لعبة الكراسي على المستويين التشريعي والتنفيذي كانت هي الحاضرة آنذاك. فقد تعاقبت على السلطة التنفيذية خمس حكومات إئتلافية، فشلت جميعها في خلق استقرار بالبلاد في ظل المنافسة الحزبية على المسك بزمام الأمور لا المنافسة البرامجية التي تستهدف المواطن في المقام الأول.

أما على المستوى التشريعي، فقد كان المؤشر الخطير على هشاشة النظام الديمقراطي وقتها هو حادثة طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان بعدما قررت الأحزاب التقليدية التعاون مع بعضها للإطاحة بالشيوعيين من البرلمان، وهو القرار الذي أبطلته المحكمة العليا فيما بعد.

وهذا الإستهداف الذي تم في حق الحزب الشيوعي السوداني كان ضمن سلسلة من المواقف التي أُديرت لتحجيم تمدد القوى التقدمية في الدوائر النيابية في مختلف بقاع السودان وعلى المستوى البرلماني من جهة، وتحجيمه من الوصول إلى الدوائر التنفيذية من جهة أخرى.

نتج عن هذا الإستهداف نشوء تنظيم ما يُسمّى ب”الضباط الأحرار” الذي ضم في داخله القوى الاشتراكية التقديمة، والذي قاد إنقلاب مايو عام 1969 وعلى رأسه جعفر نميري، وكان بمثابة الرصاصة الأخيرة في هذا الصراع الذي أودى بحياة ثورة 21 أكتوبر، وهنا يحضر القول العامي المأثور “كأنك يا زيد ما غزيت”.

16 عام عاشه الشعب السوداني تحت وطأة الحكم العسكري الدكتاتوري الطاغي، حتى خرج في أبريل عام 1985 وأسقط النظام الدكتاتوري، ليعلن مرة أخرى ميلاد فجر جديد لعهد ديمقراطي لم يدم طويلاً. فمرة أخرى تشكل التجمع النقابي وتحالف الأحزاب، ومرة أخرى قام نظام ديمقراطي هش، وحكومات إئتلافية متعاقبة، ومحاولة لتوقيع سلام بجنوب السودان تم خرقها ومن ثم جاء انقلاب 1989 الذي قاده مجموعة من الضابط تحت قيادة تنظيم الحركة الإسلامية.

ومرة أخرى عاش الشعب السوداني تحت وطأة دكتاتور عسكري لمدة 30 عام، حتى جاءت ثورة ديسمبر. ومرة أخرى تشكل تجمع المهنيين السودانيين وقوى إعلان الحرية والتغيير. وذات السيناريو تكرر بالخلافات التي احتدمت داخل التحالف من جهة، وبين المجلس المركز للتحالف والحكومة التنفيذية برئاسة عبد الله حمدوك من جهة أخرى، ومؤامرات حاكها المكون العسكري الذي كان شريكاً في السلطة الإنتقالية.

سخرية القدر تكمن في أن تاريخ 21 أكتوبر نفسه في عام 2021 شهد خروج جماهير حاشدة في الخرطوم وفي عدد من بقاع السودان المختلفة، والحال هو ذات الحال في الديمقراطية الثانية، إنقسام على مستوى الأحزاب السياسية إلى كتلتين وخروج عدد من المكونات السياسية خارج التحالف (أبرزهم الحزب الشيوعي)، وضياع للجبهة النقابية التي عُرِفت بتجمع المهنيين السودانيين، وعدد من التشكيلات المتعاقبة على مستوى السلطة التنفيذية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك.

وقتها تكشّف لكل الناس نوايا المكون العسكري لإحداث إنقلاب داخل السلطة والإطاحة بالمكون المدني، وذلك باستغلال الانقسام الذي حدث على مستوى تحالف الأحزاب والأجسام المدنية، وأقام من خلاله اعتصام القصر الشهير باعتصام الموز بمعاونة تحالف الميثاق الوطني (المنشق من تحالف الحرية والتغيير)، وهو الاعتصام الذي قال فيه الإعلامي فوزي بشرى مقولته المشهورة في تقريره على قناة الجزيرة “جاءت بهم دعة العيش في الاعتصام، والزمان مسغبة. وجاء بهم إغواء العطايا والزمان فقر”.

تعقدت الأزمة بالانقلاب الذي لم يتنظر سوى أيام من الرفض الجماهيري له في ذكرى هذه الثورة، بعدما تلى عبد الفتاح البرهان بيانه الذي أعلن فيه الانفصال عن الشركاء المدنيين في 25 أكتوبر 2021، ليُكتب فصل جديد من فصول الظلام في السودان.

كل هذه الأحداث لا تُثبت سوى شيء واحد، أن تاريخ 21 أكتوبر يحمل في طياته ذكريات ملحمة شعبية أنهت سطوة نظام دكتاتوري، وأعادها الشعب السوداني وأسقط سلطتين دكتاتوريتين. لكن المؤسف أن تكرار الملحمة استصحب معه تكرار الدائرة الشريرة، وهي دائرة الخلافات والانقسامات والتشظي والإطاحة والإقصاء وتسلط المؤسسة العسكرية مرة أخرى على رأس الدولة.

هذا التكرار استصحب معه مزيداً من الحروب المتتابعة في الجنوب ومن ثم في دارفور، ثم بعد ذلك طالت نيران هذه الحروب قلب العاصمة الخرطوم، وهنا التاريخ يؤكد تكرار الدائرة الشريرة وإنتاجها لعواقب أكثر كارثية من ذي قبل.

ولا يتسع المجال لقول المزيد سوى جملة بسيطة تلخص ما يحدث في السودان، وهي “التجربة التي لا تورث الحكمة محكومة بتكرارها”.

وللحكاية بقية….

زر الذهاب إلى الأعلى