من أكتوبر إلى أبريل.. هل تعود الروح حين يُستدعى الوطن؟

في الذكرى الـ(61) لثورة أكتوبر 1964.. السودان بين ذاكرة الانتفاض الشعبي ولهيب الحرب الحديثة
توثيق: بهاء الدين عطا المنان
تحلُّ علينا اليوم الذكرى الحادية والستون لثورة 21 أكتوبر 1964، الثورة التي غيّرت وجه التاريخ السوداني، وأعلنت ميلاد الإرادة الشعبية كقوة لا تُقهر أمام سطوة العسكر. كانت تلك اللحظة الفاصلة، بعد ثماني سنوات فقط من الاستقلال، حين انتفضت الخرطوم وكل مدن السودان على حكم الفريق إبراهيم عبود، الذي جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري أبيض في 17 نوفمبر 1958 لإنهاء صراع سياسي داخل الجمعية التأسيسية بين حزبي الأمة والوطني الاتحادي.

لكن أكتوبر لم تكن مجرد انتفاضة ضد حكمٍ عسكري، بل كانت ثورة وعيٍ جماعيّ، عبّرت عن توق السودانيين إلى الحرية، وردّت الاعتبار لصوت الشارع حين يسكت السلاح. واليوم، بعد مضي أكثر من ستة عقود، وفي ظل حربٍ طاحنة اندلعت في 15 أبريل 2023، يعود السؤال القديم في ثوبٍ جديد: هل يعيد التاريخ إنتاج نفسه؟
جذور الانتفاض.. من عمق الشك إلى بزوغ الوعي
ظلّ الجدل دائراً حول ثورة أكتوبر: هل كانت صناعة سودانية خالصة أم نتاج تدخل خارجي؟ فبينما رأى كثيرون أنها انفجار وطني أصيل، نقلت بعض الوثائق أن مجلس الكنائس العالمي كان له دور في دعم المعارضة ضد نظام عبود، خاصة بعد تضييق الحكومة على النشاط التبشيري في جنوب السودان وطرد المبشرين الأجانب.
بل إن الدكتور حسن الترابي نفسه قال لاحقاً في إحدى الندوات: “كان للحركة الإسلامية القدح المعلى في إطلاق شرارة أكتوبر، ولكنا اليوم نقول ليتنا لم نفعل”، في إشارة إلى النتائج التي لم ترضِ الإسلاميين بعد الثورة.
ورغم كل الجدل، تبقى أكتوبر درساً في عبقرية الشعب السوداني حين تتلاقى أطيافه في لحظة وعيٍ وطني.
عبود بين الزهد والإخفاق
لم يكن الفريق إبراهيم عبود طاغيةً بالمعنى الكلاسيكي. فقد شهدت فترته (1958–1964) ازدهاراً اقتصادياً لافتاً، بُنيت فيه الطرق والجسور والمشروعات القومية، مثل كبري شمبات وطريق الخرطوم–مدني، وافتُتح التلفزيون القومي والمسرح القومي.
لكن إخفاق حكومته تجسّد في اتفاقية السد العالي التي فقد السودان بموجبها وادي حلفا، ودفع كلفة ترحيل أهلها، دون أن تلتزم مصر بتعهداتها. كما فشل نظام نوفمبر في استيعاب تعقيدات الجنوب، إذ رأى في “الأسلمة والتعريب” حلاً لمشكلة سياسية واجتماعية متجذّرة، فكانت النتيجة تأجيج الغضب الجنوبي.
القرشي.. الدم الذي كتب التاريخ
في ليلة 21 أكتوبر 1964، كان الطالب أحمد القرشي طه بجامعة الخرطوم رمزاً لجيلٍ خرج يناقش، فاستُقبل بالرصاص. لم تكن الرصاصة كثيفة ولا عشوائية، لكنها كانت رصاصة الوعي التي أيقظت أمة بأكملها.
انطلقت المظاهرات، وارتفع الهتاف الخالد:
“إلى القصر حتى النصر”،
فتهاوت جدران الخوف، وتراجع عبود أمام هدير الشارع، حتى أعلن تنحيه بعد أسبوعين فقط، مُسلّماً السلطة إلى حكومة جبهة الهيئات برئاسة سر الختم الخليفة.
كانت تلك اللحظة ميلاداً ثانياً للسودان، وتأكيداً أن الجماهير قادرة على فرض إرادتها متى ما توحّد هدفها.
الثورة التي أنشدها الفن
خلّد الشعراء والفنانون أكتوبر في أجمل ما كُتب وغُنّي من نشيدٍ وطني.
غنّى محمد الأمين من كلمات فضل الله محمد داخل المعتقل:
أكتوبر واحد وعشرين
يا صحو الشعب الجبار
يا لهب الثورة العملاقة
يا ملهم غضب الأحرار
وغنّى محمد وردي من شعر محمد المكي إبراهيم نشيد الخلود:
باسمك الأخضر يا أكتوبر
الأرض تغنّي
والحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمنّي
كانت تلك الأناشيد ذاكرة وطنٍ في نغمة، وشهادة بأن الفن حين يتعانق مع الوعي يصنع التاريخ.
من لهب أكتوبر إلى رماد الحرب
اليوم، ونحن في الذكرى الـ(61) لتلك الثورة، يعيش السودان مأساة جديدة، بين مدافع حرب 15 أبريل 2023 وانهيار الدولة، وتشتت الملايين في المنافي والنزوح.
لكن روح أكتوبر لم تمت. ففي كل مدينة محاصرة، وكل قرية تُقاوم الجوع والخراب، يولد من رحم الألم شعب لا يزال يحلم بوطن حرّ ديمقراطي.
السودان اليوم لا ينتظر انقلاباً جديداً، بل بعثاً جديداً لروحه الوطنية التي وُلدت في أكتوبر. فهل يعود التاريخ لا لِيُعيد المأساة، بل ليُعيد الأمل؟
سؤال مفتوح على التاريخ:
هل كان أكتوبر ثورة مكتملة أم حلقة في جدلية الانقلابات والانتفاضات؟
وهل يكون خلاص السودان القادم من وعيٍ شعبي جديد يتجاوز الحرب والانقسام، كما تجاوز بالأمس الخوف والصمت؟
السؤال باقٍ ما بقي الوطن، والإجابة في ضمير الشعب.











