تقارير وتحقيقاتسلايدر

لماذا تفوقت الصومال على السودان في صادرات الماشية؟

تقرير ـ أحمد بن عمر 

تشهد الصومال قفزة حادة في صادرات الماشية الحية وسط ظروف إقليمية مواتية، حيث أدّت الحرب الأهلية في السودان وتوجه أستراليا نحو وقف تصدير الحيوانات الحيّة بحلول 2028، إلى فتح أسواق الخليج أمام المصدرين الصوماليين.

واستثمرت الصومال الفراغ الحاصل في توريد المواشي، خاصة للسوق السعودي والخليجي بشكل عام، فزاد تدفق الطلب عليها مقارنة بالسنوات الماضية.

ويُعدّ هذا النمو اللافت امتداداً لضعف القوى التقليدية في سوق مهم مثل السودان وأستراليا، ما أتاح للصومال تعزيز حصتها التصديرية في دول الخليج، المنطقة الأكثر طلباً.

عوامل تفوق الصومال في تصدير الماشية
تبرز عدة عوامل أساسية منحت الصومال ميزة تنافسية واضحة في تصدير المواشي الحية، منها قرب البلاد جغرافياً من دول الخليج وانخفاض تكاليف الشحن، ما عزّز موقعها في الأسواق الخليجية.

بالإضافة إلى ذلك، ساهم تراجع صادرات السودان بسبب الحرب ووقف أستراليا لتصدير المواشي في زيادة مساحة المناورة الصومالية. كما أشار مدير الصحة الحيوانية الصومالية، قاسم عبدي، إلى أن: “هذا الارتفاع يعود إلى تراجع صادرات السودان بسبب الحرب وانسحاب أستراليا من السوق. وثمة عامل آخر هو نمو الطلب الخليجي المتصاعد على المواشي خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار اللحوم المحلية، مما جعل تلبية الحاجة من السوق الصومالية أمراً منطقياً اقتصادياً”، وأضاف: “جميع هذه العوامل معاً، الجغرافية واللوجستية والطلب الإقليمي، تمنح الصومال قدرة على تحقيق أسعار تنافسية وتسريع عملية التصدير على حساب منافسيه التقليديين”.
بيانات النمو والإيرادات الصومالية (2021–2025)
تشير البيانات الرسمية إلى نمو قوي في قيمة صادرات الصومال من المواشي بين عامي 2021 و2024، فقد ارتفعت عائدات التصدير من 523 مليون دولار في 2021 إلى 974 مليون دولار في 2024، مع توقعات بأن تتجاوز مليار دولار في 2025. وعلى مدى الأربع سنوات الماضية، بلغت قيمة الصادرات الصومالية نحو 2.9 مليار دولار، منها 715 مليون دولار صدرتها إلى المملكة العربية السعودية عام 2023 فقط. ويُلاحظ أن الدول الخليجية الكبرى (السعودية والإمارات) تعتبر الشركاء الرئيسيين للصومال في تجارة المواشي، نظراً للطلب المرتفع هناك. كما تشمل صادرات الصومال ما بين مليوني إلى ستة ملايين رأس ماشية سنوياً إلى هذه الأسواق، مما يؤكد أن النمو في الإيرادات ترافق مع زيادة حقيقية في حجم التصدير والركائز اللوجستية الداعمة له.
أهمية قطاع الثروة الحيوانية في الاقتصاد الصومالي
يُشكّل قطاع الماشية أساس الاقتصاد الصومالي ومصدراً رئيسياً للعملة الصعبة ولأموال الموازنة. فقد أكد تقرير حكومي صومالي أنّ عائدات تصدير المواشي تجاوزت، ولأول مرة، إجمالي الإيرادات المحلية للحكومة الاتحادية المقدرة بنحو 430 مليون دولار سنوياً، وهذا يعكس الدور الحيوي للقطاع في تمويل الدولة. ويُقدّر عدد رؤوس الماشية في الصومال بنحو 57 مليون رأس، ويُصدّر سنوياً ما بين 4 إلى 6 ملايين رأس، وبحسب المسؤولين، أصبح إنتاج الماشية المصدر الأول للدخل في البلاد، متقدماً على عائدات الضرائب، وله مساهمة رئيسية في الميزانية الوطنية التي تبلغ حوالي 1.36 مليار دولار.

وبذلك تُعزّز العملات الأجنبية المتأتية من صادرات الماشية احتياطيات النقد الأجنبي الصومالي وتدعم تمويل الخدمات العامة في ظل ضيق الموارد المحلية.

تراجع تنافسية السودان بسبب الحرب
في المقابل، شهد السودان انهياراً حاداً في موقعه التنافسي بتصدير المواشي نتيجة اندلاع الحرب في أبريل 2023 وتواصلها. فقد غطّت الحرب على مدار عامين مناطق حيوية في الخرطوم وولايات كردفان ودارفور والنيلين و القضارف وكسلا، مما أدّى إلى انقطاع شبه كامل للطرق وتعطيل حركة التجارة الداخلية والخارجية. وقد فرضت مليشيات الدعم السريع قيوداً صارمة على حركة المواشي نحو الأسواق الرئيسية، خصوصاً بين مناطق الإنتاج في غرب السودان ومناطق الاستهلاك في الشمال والشرق. وقد وصف التاجر السوداني سليمان إدريس أوضاع الحرب بأنها كارثية، مشيراً إلى أنّ “الأسواق تأثرت تماماً والحرب ألحقت دماراً واسعاً في التجارة والرعي والزراعة”، وأضاف: “إغلاق الطرق، وخاصة من كردفان شمالاً، والجبايات التي فرضتها الدعم السريع، أثرت على المنتجين وانتشرت أعمال النهب، وانعكست هذه الاضطرابات على الولايات المصدرة للثروة الحيوانية”.

تأثير الحرب على الإنتاج الحيواني في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع
تجلّت آثار الحرب بشكل أخطر في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع غرب ووسط السودان قبل استعادة الجيش لولايات سنار والجزيرة. وارتفعت معدلات تفشي الأمراض بين الماشية في مناطق الدعم السريع نتيجة انعدام الخدمات البيطرية ونقص اللقاحات. فعلى سبيل المثال، كشفت وزارة الثروة الحيوانية في ولاية وسط دارفور عن ظهور أمراض نزفية خطيرة بين الماشية، محذرةً من أن استمرار التفشي قد يؤدي إلى “كارثة بيئية واقتصادية” تهدد الثروة الحيوانية في الولاية. كما تضررت المنشآت البيطرية الحكومية بشكل بالغ، فقد دُمّرت العديد من المعامل البيطرية والمسالخ ومصانع الأعلاف تحت سيطرة الدعم السريع، ما حرم المربين من الخدمات الأساسية لمكافحة الأمراض، وأصبحت مناطق سيطرة الدعم السريع تعاني من العزل التجاري بسبب القيود على الطرق وغياب الأمن.

التحديات الهيكلية لقطاع الماشية السوداني
أدى تدهور البنية التحتية إلى شلل شبه كامل في منظومة الإنتاج الحيواني، إذ تعرّضت المحاجر البيطرية والمسالخ ومصانع الأعلاف التي تمثل الركيزة الأساسية لسلسلة القيمة في القطاع لأضرار واسعة نتيجة الدمار والنهب، ما تسبب في تفكك شبكات التبريد والتخزين الحيوية لصادرات اللحوم الحية والمذبوحة.
شهدت مدخلات الإنتاج الحيواني ارتفاعاً حاداً في تكلفتها، إذ واجه العاملون في القطاع صدمات سعرية متتالية بسبب الحرب في الوقود والنقل، حيث إن 71% من تجّار مدخلات الثروة الحيوانية عانوا من زيادات غير مسبوقة في تكاليف الوقود والنقل خلال الأشهر الثلاثة السابقة. وقد انعكس ذلك مباشرةً على تكاليف التسمين والنقل من مناطق الإنتاج إلى مراكز التسويق، مما ضاعف أسعار الأعلاف وأثقل كاهل المربين، وأدى إلى تراجع القدرة التشغيلية للمزارع الصغيرة والمتوسطة، في ظل غياب آليات دعم أو استقرار سعري تحدّ من تقلبات السوق.
يواجه قطاع الماشية خللاً بنيوياً في منظومتي الإنتاج والتصدير، يتمثل في ضعف التمويل وغياب آليات تنظيم فعّالة، إذ تُنفذ معظم عمليات التجارة عبر مسارات غير رسمية بسبب الحرب، ما يحرم الخزانة العامة من موارد معتبرة ويعرّض النشاط لمخاطر اقتصادية وأمنية متزايدة في المناطق الحدودية.

الاستراتيجية الحكومية الجديدة ومشروع مدينة الإنتاج الحيواني

وزير الثروة الحيوانية والسمكية المكلّف، أحمد التجاني المنصوري،

استجابةً لهذه التحديات المتراكمة، شرعت وزارة الثروة الحيوانية السودانية في وضع استراتيجية جديدة لتنمية القطاع. فقد أعلن وزير الثروة الحيوانية والسمكية المكلّف، أحمد التجاني المنصوري، عن إطلاق مشروع “مدينة الإنتاج الحيواني” في ولاية نهر النيل ضمن خطة الوزارة الاستراتيجية. ويشير البيان الرسمي إلى أن المدينة ستضم شركات متخصصة في إنتاج الألبان واللحوم، ومرافق للتسمين ومسالخ حديثة، بطاقة استيعابية أولية تصل لعشرات الآلاف من الرؤوس.
ويرى الدكتور خالد برشم أنّ “إنشاء مجمّعات إنتاج متكاملة كهذه قد يساعد في رفع كفاءة القطاع على المدى الطويل من خلال توفير مدخلات إنتاجية محسّنة، علف، أدوية، خدمات بيطرية، وقصر مسافات النقل إلى الموانئ ومراكز التصدير”، وأضاف: “وتُتوقع أن يُنمّي هذا المشروع، إذا نجح تنفيذه، القدرة التصديرية السودانية على المدى المتوسط عبر جذب استثمارات جديدة وتبسيط سلسلة القيمة الغذائية”.
وعليه، فإن التخطيط نحو توسع في الصادرات الحية لا يجب أن يتوقف هنا، بل الوزير المنصوري مطالب برؤية استراتيجية خمسية لتعويض المفقود من المناطق المتأثرّة بالحرب، فالسودان من أفضل الدول الإفريقية إحصائياً بامتلاكه 105 مليون رأس، إلا أن الصادرات قليلة مقارنة بعدد رؤوس الماشية، إضافة إلى الإشكالات الهيكلية في القطاع.

إيجابيات ترسم ملامح صادر ماشية سوداني
رغم الصعوبات الأمنية والاقتصادية، أظهر قطاع الماشية السوداني قدرة لافتة على الصمود في عام 2024، إذ سجّل ارتفاعاً ملموساً في قيمة الصادرات، حيث قفزت صادرات الضأن من نحو 226.6 مليون دولار عام 2022 إلى 392.2 مليون دولار في 2024 وفق البيانات الرسمية. ويُعزى هذا الأداء إلى تنشيط صادرات الماشية الحية لتعويض تراجع اللحوم المذبوحة، وتحسن الطلب من الأسواق الخليجية، خصوصاً السعودية.
وفي النصف الأول من 2025، جاءت صادرات الثروة الحيوانية في المرتبة الثانية بين الصادرات السودانية بقيمة 201.4 مليون دولار مقارنة بـ311.6 مليون دولار في الفترة المماثلة قبل الحرب. ورغم التحديات اللوجستية وتراجع الإنتاج المحلي، حافظ السودان على تدفقات نقد أجنبي مستقرة نسبياً. ومع تأكيد أهمية أن يتبنى الوزير د. المنصوري خطة استراتيجية واضحة للتصدير، نتوقع أن يساهم تطبيق استراتيجية خمسية في إحداث نقلة نوعية في أداء الصادرات السودانية، بما يمكّن البلاد من استعادة موقعها الريادي بين الدول الإفريقية المصدّرة للماشية على المدى الطويل.

تعليق واحد

  1. علما بأن جودة الاغنام الصومالية مقارنة بالسودانية متدنية جدا ولكن الحرب لعبت دورا كبيرا في رفع الطلب علي الاغنام الصومالية .

زر الذهاب إلى الأعلى