الزبير نايل يكتب: «عمر الجزلي» .. أيقونة الإعلام السوداني!

كانت المدن والقرى والبوادي، عندما تسترخي أعصابها في سكون الليل تحت ضوء القمر، يأتيها صوت الإذاعي الكبير الدكتور عمر الجزلي، منسابًا كنسيم خريفي يلامس الوجدان عبر برنامج “أوتار الليل” في أم درمان.

كنت مأخوذًا بذلك البرنامج، إذ كان الجزلي يسكب فيه شعراً وحديثًا شجيًا بصوت مترع وشديد الدفء، يتماهى مع خلفية موسيقية حالمة تجعل من الليل ذاته وترًا شفيفًا يعزف على القلوب… ويبلغ السحر مداه ونحن في ذاك العمر النابض، حين يصدح النهر الثالث عثمان حسين من ضفة شجن بازرعة:
لا تسل عني ليالي يا حبيبي لا تسلني
لا تسلها فهي حلم عابر طاف بذهني
لا تسلها كم تعانقنا على رفقة لحني
وقضينا الليلة الأولى حديثًا وتمنّي
ثم تشرق علينا الشمس، فإذا بالجزلي نفسه، الذي أبحر بنا ليلاً بقوارب مجاديفها الشعر والموسيقى، يعود قارئًا لنشرات الأخبار بصوته العميق وأدائه الرصين، فيشكل لنا ملامح العالم وينسج في وعينا هيبة الإعلام.
وبذات النداوة، يعبر الجزلي سور الإذاعة إلى مبنى التلفزيون المجاور، وهو يردد عبارته الشهيرة (ألكع)، ليغرس هناك اسمه في الذاكرة الوطنية ببرنامجه الأثير “أسماء في حياتنا”… ذلك العمل التوثيقي الذي يعد وثيقة مهمة في تاريخ السودان بمقدمته الآسرة التي حفظها الجميع. كان أسلوبه في الحوار يرسم لنا صورًا حية لرموز السودان في ميادين الفكر والسياسة والفن، ويضيء ما خفي من سيرهم، ويستخرج لنا حكايات نابضة بالجمال والمتعة والفائدة.
عندما التحقت بالتلفزيون، كان أول من سعيت للقائه هذا الهرم الإعلامي. بحثت عن مكتبه، وهناك وجدته في مجلس يضم الإذاعي الكبير أحمد سليمان ضو البيت، والأستاذ محمد طاهر، والأستاذة هيام المغربي – عليهم الرحمة. كانت جلسة لعمالقة المايكروفون. تسمرتُ لحظات وأنا أنظر إليهم بإحساس كان مزيجًا من الفرح والهيبة. وحين دنوت، تبعثرت كلماتي تهيبًا من تلك الهالة، وبقي ذلك اللقاء محفورًا في ذاكرتي وحاضرًا كما لو كان بالأمس القريب.
تمر الأيام وأنال شرف الزمالة، لكنني كنت مندهشًا لإذاعي ضخم بهذا الحجم أن يأتي لصالة التحرير قبل موعد نشرة الأخبار بساعتين، يدقق ويمحص، ويقف عند كل اسم وكل جملة. لكن مدير الأخبار يومها الأستاذ محمد أبشر، والأستاذ عثمان محمد صالح، الذي يراقب النشرة لغويًا، بددا دهشتي عندما قالا لي إن الجزلي أكثر المذيعين حرصًا على سلامة اللغة، ولا يحتمل أبدًا خطأ من أحد على الهواء.
في سنوات زمالتي، وجدت في الدكتور عمر الجزلي المعلم والسند. كان يشجعني، يتابع ويوجه وينصح، ويبتسم بفخر حين نحسن الأداء. لم يبخل بعلمه ولا بخبرته، وكان دائم القول:
“الإذاعي الجيد هو من يحب عمله ويحب من يخاطبهم”.
مع مرور السنوات، ارتقت علاقتي بالجزلي من الزمالة إلى صداقة امتدت لأسرته الكريمة. تعرفت على أشقائه ووالدته حاجه (سيدة) – عليها رحمة الله – وهي صداقة أعتز بها كثيرًا.
الدكتور عمر الجزلي… عقود من التفاني والإخلاص في العمل، رفد خلالها مكتبة الإذاعة والتلفزيون برصيد وافر من التسجيلات والمضامين الرفيعة، حتى غدا هو نفسه “اسمًا في حياتنا” وعلمًا من أعلام الكلمة في بلادنا.
رحلته الإعلامية الممتدة لأكثر من نصف قرن، قطع أميالها بحب وإخلاص لمهنته، جعلت منه صفحة مشرقة في سفر الإعلام السوداني، ورمزًا لمسيرة أجيال عانقت الميكروفون، فكان نتاجها إبداعًا مميزًا ومؤثرًا، وشاهدًا على زمن كانت فيه الكلمة مسؤولية والإعلام رسالة صدق.
تحية تقدير واحترام لدكتور عمر الجزلي، أستاذًا وزميلًا وصديقًا، واسمًا محفورًا في ذاكرة وطن وشعب، بادله حبًا بحب ووفاء بوفاء.
دمت بخير دكتور عمر الجزلي.











