تقارير وتحقيقاتسلايدر

البرهان في عطبرة .. رسالة الشهداء أم تحذير العسكر ؟

هل يقود خطاب البرهان إلى السلام أم إلى مزيد من الحروب؟

تقرير ـ أبوذر الشعراني 

في لحظة مشحونة بالعاطفة والسياسة، قدّم الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان واجب العزاء في الشهيد المقدم مزمل عبد الله ميرغني زروق بمدينة عطبرة، لكنه لم يكتف بكلمات المواساة، بل أطلق خطاباً حافلاً بالرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج. قال بوضوح: «القوات المسلحة ستظل صمام أمان البلاد ضد الأعداء»، و*«نرحب بمن يسعى للسلام، لكننا لن نقبل بفرض سلام أو حكومة على الشعب»*.

أكد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان أن القوات المسلحة ستظل صمام أمان السودان في مواجهة الأعداء والمتربصين، مجدداً العهد بالمضي في طريق الدفاع عن وحدة البلاد وسيادتها حتى يتحقق السلام العادل.
البرهان في عطبرة – اعلام مجلس السيادة

كلماتٌ بدت في ظاهرها مؤبّنة، لكنها في عمقها إعلان سياسي يرسم ملامح المرحلة المقبلة في السودان: بين الحرب والسلام، بين القوة والتفاوض، بين السيادة والضغوط الدولية.

رسائل متعددة في خطاب واحد

خطاب البرهان جاء مركباً في بنائه ومحمّلاً بدلالات متباينة، إذ جمع بين لغة الوجدان الوطني ومنطق الصراع العسكري.

فعلى المستوى المعنوي، أراد القائد العام أن يعيد ترميم الثقة بين الجيش والشعب عبر تمجيد الشهداء وربط تضحياتهم بـ«صون وحدة البلاد وسيادتها».

أما على المستوى السياسي، فقد وجّه رسالة واضحة بأن المؤسسة العسكرية لن تسمح بفرض حلول خارجية، لكنها في الوقت نفسه مستعدة للتفاوض حين تكون مخرجاته «في مصلحة السودان وتؤدي إلى إنهاء الحرب».

هذه الازدواجية المقصودة – بين الانفتاح والانغلاق – تعكس رغبة البرهان في أن يظل الجيش ممسكاً بمفتاح الحل، لا مجرد طرف فيه.

بين الواقع الميداني ومصداقية الخطاب

تأتي هذه التصريحات بينما تشهد الفاشر ودارفور واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في الحرب الراهنة.

ففي الوقت الذي يؤكد فيه البرهان أن الجيش «لا يستهدف قبائل أو مناطق»، تتصاعد تقارير المنظمات الإنسانية عن قصف، ونزوح، وانتهاكات واسعة.

هنا يبرز التناقض الأكثر حساسية: كيف يوفّق القائد العام بين خطابه الوطني الجامع وممارسات ميدانية يراها البعض امتداداً لنزاعٍ قبلي؟

إن لم تُترجم كلمات النفي إلى أفعال عملية – كتحقيقات شفافة، ووقف فوري للهجمات العشوائية – فإن الخطاب سيفقد بريقه الأخلاقي ويُفسَّر كرسالة تعبئة أكثر منه مشروع تهدئة.

السياسة من بوابة الشهادة

باستخدامه مناسبة عزاء رسمية كمنصة للخطاب، أراد البرهان إعادة صياغة مفهوم «الشهادة» في الوعي الجمعي السوداني:

ليس مجرد تضحية عسكرية، بل تجديد للبيعة الوطنية للجيش كحارس للوحدة والسيادة.

هذه الصياغة الرمزية تمنح القوات المسلحة عمقاً أخلاقياً في زمن تتنازع فيه الشرعيات، لكنها في المقابل تُحمّلها مسؤولية أكبر في حماية المدنيين وإثبات أنها لا تحارب الشعب بل من يهدد الدولة.

الرفض والقبول: معادلة التفاوض الصعبة

في لهجة البرهان، تبرز معادلة دقيقة: لا تفاوض مع من يعبث بالسيادة، لكن لا رفض لمن يسعى للسلام.

هي محاولة لتوازن دبلوماسي داخلي وخارجي:

داخلياً، يُطمئن أنصاره بأن الحسم لم يُلغَ من الخيارات.

وخارجياً، يُظهر انفتاحاً مشروطاً يجنّبه اتهامات التعنت.

غير أن هذه المعادلة تحمل مخاطر؛ فكلما طال أمد الحرب، تآكلت شرعية القوة، وتزايدت الحاجة إلى سلامٍ يملك الجيش زمامه لكنه لا يحتكره.

بين السيادة الوطنية وضغوط الخارج

حين قال البرهان: «لن نقبل بفرض سلام أو حكومة على شعب يرفضها»، كان يردّ ضمناً على الرباعية الدولية التي تضغط باتجاه تسوية عاجلة.

غير أن التجارب السودانية تُثبت أن الرفض المبدئي لأي وساطة خارجية قد يتحوّل سريعاً إلى قبول اضطراري حين تتفاقم الكلفة الإنسانية والسياسية.

لذلك فإن اللغة السيادية، رغم وجاهتها، يجب ألا تُستخدم ذريعة لتعطيل فرص الحل، بل لحماية استقلال القرار الوطني في إطار تفاوضٍ واقعي.

هل يفتح هذا الخطاب باب السلام؟

الإجابة رهينة بما سيحدث بعد الخطاب، لا بما ورد فيه.

فإذا تلا ذلك تحرك ميداني لحماية المدنيين، وفتح ممرات إنسانية، واستعداد حقيقي للتفاوض على أسس جديدة، يمكن اعتبار خطاب عطبرة بداية تحوّل سياسي.

أما إن ظلّت الحرب تلتهم المدن وتزداد المعاناة، فسيبقى الخطاب مجرد محاولة لتثبيت موقع في معركة أطول.

بين الكلمة والرصاصة

تصريحات البرهان في عطبرة ليست حدثاً عابراً، بل بيان موقف يرسم حدود العلاقة بين الجيش، والسياسة، والسلام.

إنها دعوة مبطّنة للتفاوض، لكنها أيضاً إنذار بأن الجيش لن يتنازل عن موقعه كصمام أمان – أو صمام سلطة.

ويبقى السؤال المفتوح:

هل يمكن أن يولد السلام من خطابٍ لا يزال يُقسم على استمرار الحرب؟

زر الذهاب إلى الأعلى