تقارير وتحقيقاتسلايدر

من الذي يرفُض الجسر الجوي؟ الفاشر تحت حصارٍ يقتلُ بصمت

تقرير – أبوذر الشعراني

الفاشر .. شهادة صارخة على فشل الضمير الدولي وفداحة الحسابات المحلية. أكثر من (٥٠٠) يوم تحت الحصار، مئات الآلاف محاصرون، والأصوات التي تطلب لقمة واحدة تذوي في الصمت بينما القذائف والطائرات المسيرة تلتهم الأجساد والأمل.

من يعرقل الإمداد؟ تقارير الأمم المتحدة والهيئات الإغاثية تشير إلى أن مجموعات مسلّحة، وعلى رأسها قوات الدعم السريع، تفرض قيوداً شديدة على وصول المساعدات، وتمنع قوافل الغذاء والدواء من الوصول إلى المدنيين المحاصرين، حتى أن فرق الإغاثة اضطرت لتجميد عملياتها أو استهدافها بشكل متكرر. هذا العائق ليس لوغاريتميّاً تقنياً بل قرارٌ يوازي عقوبة جماعية تُنفذ بلا محاكمة.

وهل الحل جوي؟ سؤال بسيط يحمل في طياته عقوداً من تعقيدٍ دولي: ماذا لو فتحت المنظمات الدولية والطائرات المدنية طريقها إلى السماء لإسقاط المؤن؟ التاريخ الحديث أعطانا أمثلة على إسقاطات جوية ناجحة لأغراض عسكرية وإنسانية، وسماؤنا باتت طريقاً لا يملك حصاره جغرافياً فقط بل يمتد لشرعية الوصول. أما من سيُعترض على إسقاط طائرات مساعدات؟ الفاعلون المحليون الذين يرفضون أي تدخل يرونه يهدد مواقعهم وسيطرتهم قد يعترضون؛ والدبلوماسية الدولية أحياناً تتردد خشية تصعيد الصراع أو تبرير تدخلات عسكرية تحت ذريعة إنسانية.

النتيجة؟ المدنيون يدفعون الثمن: أطفال يتضورون جوعاً، مرضى بلا دواء، ومستوصفات تنهار تحت وابل القصف. الصحف والمنظمات الدولية تحذر من أن الفشل في فتح ممرات إنسانية أو السماح بعمليات إسقاط منقذة قد يقود إلى مجاعة قابلة للتصديق، ووقتُ التحرك يمضي بسرعة أكبر من بطءَ القرارات.

إلى متى سيظل هذا الصمت المميت؟ ليس هناك تبرير لأي هدوء دولي أمام صور البشر الذين يصبحون أرقاماً على قوائم الانتظار للموت. أصوات المجتمع المدني، ونداءات الناجين، وبيانات وكالات الإغاثة يجب أن تتحول إلى ضغط سياسي فاعل: فتح ممر إنساني محمي، السماح بعمليات إسقاطٍ منقذة بالتنسيق مع الأمم المتحدة واللجان الإغاثية، وتحميل كل من يعرقل الإغاثة مسؤوليةَ جرمية أمام المجتمع الدولي.

كلمة أخيرة: الجسر الجوي ليس رفاهية سياسية، بل اختبار إنساني لأخلاقياتنا المشتركة. إذا كان في الإمكان إسقاط صناديقٍ من المؤن على أطراف مدينة، فالمسؤولية الأخلاقية والقانونية تقتضي أن تُفتح السماءُ لِمَن لا يملكون إلا انتظار النجاة. والصمت؟ هو من يسمح للموت أن يستمر باسم الأجندات.

زر الذهاب إلى الأعلى