سلايدرمنوعات وفنون

«الحُزن القديم» في ذكرى رحيل الدُّوش!

(26) عامًا على غياب الشاعر الذي جعل من الوطن قصيدة لا تموت

بقلم – أبوذر الشعراني

في مثل هذا اليوم، العاشر من أكتوبر عام 1998م، توقفت ساقية الإبداع عن الدوران برحيل الشاعر والمسرحي عمر الطيّب الدوش، أحد أبرز الأصوات التي شكّلت وجدان السودانيين شعراً ومسرحاً ونضالاً. تتجدّد اليوم الذكرى السادسة والعشرون لرحيله، ليعود “الحُزن القديم” كما سمّى إحدى أشهر قصائده، حاضراً في الذاكرة، وفي قلوب كل من عشقوا الوطن عبر كلماته.

عمر الطيب الدوش. بريشة صلاح أبو الدو

“بتمـرق مـن شبابيكا

عيـون برموشها مطفية

شــرك لكــل قمـــرية

وأماني كتيرة مخصية…”

بهذه اللغة الحارقة والشفافة معاً، كتب الدوش الوطن كما لم يكتبه أحد. لم يكن شاعر غناء فحسب، بل كان مفكّراً بلغة الفن، وسياسياً يواجه الاستبداد بالكلمة، ومسرحياً يرى في الخشبة مساحة للوعي والتغيير.

▪︎ من شندي إلى المعهد

وُلد الدوش في مدينة شندي عام 1948م، وتخرّج في معهد الموسيقى والمسرح – قسم المسرح – عام 1974م، في أول دفعة للمعهد، ضمّت أسماء بارزة مثل هاشم صديق، إسحاق الحلنقي، صلاح الدين الفاضل، ناصر الشيخ، ومن قسم الموسيقى محمد وردي، أنس العاقب، وعثمان مصطفى.

▪︎ شاعر الوطن والموقف

كتب الدوش نصوصاً مدهشة تنوعت في الشكل والمضمون، لكنها اجتمعت على عمق الفكرة وصدق العاطفة. كانت قصيدته مرايا للواقع، تُعبّر عن الوطن بجراحه وأحلامه. ناهض النظام المايوي بشجاعة، فاعتُقل وسُجن في كوبر عام 1973م، حيث يُروى أنه شكّل فرقة غنائية داخل السجن، لتصبح الكلمة عنده فعلاً مقاوماً لا يُكسر.

▪︎ مراسلات في “حمّى الوطن”

من أبرز أعماله الملحمية “خطابات في حمّى الوطن”، التي كتبها في أربعة أجزاء، كلٌّ منها بمثابة رسالة إلى الخرطوم وأم درمان، يرسم فيها المشهد السياسي والاجتماعي بلغة مسرحية عميقة، تجمع بين الحس الوطني والدرامي والفلسفي.

▪︎ إرث غنائي خالد

ترك الدوش إرثاً غنائياً خالداً شكّل جسراً بين الشعر والموسيقى، فغنّى له محمد وردي “الود”، التي لحنها الموسيقار اليوناني المصري أندريا رايدر، و”بناديها” و”الحزن القديم”، وغنّى له مصطفى سيد أحمد “سحابات الهموم”، وحمد الريح “الساقية” من ألحان ناجي القدسي، وعبد الكريم الكابلي “سعاد”.

▪︎ صوت لا يغيب

بعد 26 عاماً على رحيله، ما زال صوت الدوش يتردّد في الأزقة والذاكرة، شاهداً على شاعرٍ آمن بالحب والإنسان والوطن، وكتب بإحساسه قبل قلمه.

رحم الله عمر الطيّب الدوش — الشاعر الذي لم يمت، بل بقي فينا “حُزناً قديماً” لا يشيخ.

زر الذهاب إلى الأعلى