سقوط الجلاد الأول: إدانة كوشيب تفتح أبواب لاهاي أمام البشير ورفاقه!
تقرير: كورير عيسى
في السادس من أكتوبر 2025، دوّى في لاهاي صوت العدالة بعد عقدين من الصمت. المحكمة الجنائية الدولية أدانت علي محمد علي عبد الرحمن “كوشيب”، زعيم ميليشيا الجنجويد، بـ 27 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في دارفور.
إنها لحظة تاريخية تُعيد الأمل للناجين من المذابح، وتُعلن أن زمن الإفلات من العقاب قد بدأ يتهاوى… لكن السؤال الذي يلوح في الأفق: متى يتبع البشير قائده إلى لاهاي؟
إدانة تهزّ صمت العالم
الحكم الذي انتظره الضحايا لأكثر من عشرين عامًا لم يكن مجرد حدث قانوني، بل صرخة ضمير إنساني ضد وحشية حوّلت دارفور إلى رماد.
كوشيب، الذي قاد ميليشيا الجنجويد في مطلع الألفية، أُدين بارتكاب جرائم قتل وتعذيب واغتصاب جماعي ضمن حملة “الأرض المحروقة” التي دمرت قرى الفور والزغاوة والمساليت.
القضاة أكدوا أن المحاكمة منحت الناجين “صوتًا يسمعه العالم”، بعد أن صمتت العدالة لسنوات طويلة.
فصول من الجحيم
من كودوم إلى بنديسي، ومن مكجر إلى دليج، رسمت المحكمة لوحة قاتمة من الرعب المنهجي.
في قرية خور طلبة، أمر كوشيب بنفسه بإطلاق النار على عشرات المعتقلين الذين أُجبروا على الانبطاح صفًا واحدًا…
وفي فيري، أحصى الجثث بنفسه وهو يصدر أوامره الوحيدة: “نفذوا التعليمات”.
لم يسلم أحد: الأطفال، النساء، الشيوخ، قادة المجتمع… حتى رجال الشرطة الذين رفضوا قتل المدنيين، أُعدموا بأوامر منه.
“صيدلي” يتحول إلى قاتل دولة
رغم إنكاره المتكرر وادعائه أنه “مجرد صيدلي”، كشفت الأدلة – من شهادات الضحايا، وصور الأقمار الصناعية، ووثائق الأمم المتحدة – عن هوية الجلاد الحقيقي.
قال شهود عيان إنهم تعرفوا عليه من صيدليته في قارسيلا، حيث تحول من بائع دواء إلى منفذ لأوامر الموت.
في إحدى الوقائع، حين تردد أحد أتباعه في قتل الأسرى، صرخ فيه كوشيب:
“أتواصل مع الوزير مباشرة… من أنت لتراجعني؟ سأضيع رصاصة واحدة فقط للتخلص منك.”
المخطط الدموي: “امسحوا الفور!”
لم تكن جرائم كوشيب طيشاً فرديًا، بل تنفيذًا لخطة دولة.
وثّقت المحكمة أن الهجمات كانت جزءًا من “خطة الطوارئ” التي أقرّها مجلس الأمن الوطني السوداني في ديسمبر 2003، باعتبار مجتمعات الفور والزغاوة والمساليت “داعمًا للتمرد”.
وكان الوزير أحمد هارون – بحضور كوشيب – يحرّض الميليشيات قائلاً:
“امسحوا الفور، لا تُبقوا أحدًا على قيد الحياة… أموالهم غنائم حرب!”
لحظة قانونية فارقة
إدانة كوشيب لم تكن فقط أول إدانة في قضية دارفور، بل أيضًا أول حكم في تاريخ المحكمة يتناول الاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي.
اعتُبر اغتصاب النساء والفتيات جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، كما اعترفت المحكمة للمرة الأولى باضطهاد الرجال لأسباب عرقية وجنسية وسياسية — سابقة ستُدرّس في القانون الدولي.
الطريق إلى لاهاي… من التالي؟
الحكم يفتح الباب أمام العدالة الدولية لملاحقة من أصدر الأوامر الكبرى.
فبينما يقبع كوشيب في السجن، لا يزال عمر البشير ووزيره أحمد هارون طليقين رغم صدور مذكرات توقيف بحقهما منذ سنوات.
المدعية العامة المساعدة نزهت شميم خان أكدت أن “هذه ليست نهاية الطريق”، مضيفة:
“ستنتصر العدالة في دارفور… مهما طال الزمن.”
أصوات الضحايا والعالم
منظمة هيومن رايتس ووتش وصفت الإدانة بأنها “فرصة أولى لضحايا دارفور كي يروا العدالة بأعينهم”، بينما اعتبرها نشطاء سودانيون “الشرارة التي قد تُسقط حصون الإفلات من العقاب في الخرطوم”.
وفي بلدٍ تمزقه الحرب بين الجيش والدعم السريع – الوريث المباشر للجنجويد – يبدو أن العدالة بدأت تستعيد أنفاسها من تحت الركام.
إلى متى ينتظر العالم البشير؟
بينما يسقط أول الجلادين في لاهاي، يبقى السؤال الذي يجلجل في ضمائر السودانيين:
هل سيلحق البشير وهارون برفيقهم كوشيب؟
أم أن العدالة ستظل رهينة توازنات السياسة الدولية؟
إنها بداية النهاية، لكن الطريق ما زال طويلاً نحو دارفور خالية من الخوف… وسودان لا تحكمه الميليشيات.











