آراء ومقالاتسلايدر

فائز السليك يكتب : انقلاب بكراوي وتغريدة ود الفكي الشهيرة – ٢ 

أشرت في الحلقة السابقة من كواليس ما قبل انقلاب أكتوبر ٢٠٢١ إلى الخلاف الكبير بين البرهان، وحميدتي، واقتراب وقوع مواجهة بينهما في يونيو ٢٠٢١، إلا أن تحركات من الحرية والتغيير وحكومة الدكتور عبد الله حمدوك، نجحت في إطفاء الحريق؛ إلا أن ما حدث بعد ذلك سار في اتجاه مغاير لخطة القوى المدنية.

إن ما حدث بعد ذلك مثل ضربةً لقوى الحرية والتغيير، فقد تصالح الجنرالان، بل اتفقا على الانقلاب على المدنيين، و بدأ العسكريون في قيادة هجمات مضادة على مرمى المدنيين.

و لم يتفاجأ كثيرون من اعلان انقلاب عسكري، إن الانقلاب لم يبدأ بتحرك دبابات المدرعات في الحادي والعشرين من سبتمبر ٢٠٢١ بل بدأت محاولات اغتيال الانتقال بجريمة فض الاعتصام، ثم تلتها محاولة الفريق هاشم عبد المطلب، ثم جاءت محاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.بدأت مشاهد الانقلاب بتهيئة المواطن لقبول المغامرة بعد أن تم التمهيد له بطرق مختلفة، منها صناعة العنف المسيطر عليه، حيث تحولت الخرطوم إلى بؤر أجرام مخيفة، امتدت البؤر من أقصى أزقة مناطقها الريفية الفقيرة؛ حتى تخوم سامق البنايات، وغابات الاسمنت التي بدت تتسابق حول علو الأدوار، وتتنافس على انخفاض درجة الملامح الجمالية في عاصمة النيلين. في سياق تلك الأجواء؛ عاد اللواء معاش عبد الباقي بكراوي، من القاهرة، وذهب فجر اليوم التالي إلى قيادة المدرعات بالشجرة، أعطى الرجل أوامر بتحريك دبابات المدرعات، هل يمكن أن يحدث هذا العبث وسط جيش نظامي منضبط؟ كيف لضابط متقاعد، أو ضابط مفصول من الخدمة أن يصدر تعليمات بتحريك أكبر وحدة من وحدات الجيش؟ وهذا الرجل كان غائباً من البلاد لأكثر من ثمانية أشهر، والأمر العجيب، أن يدخل المكتب دون سؤال، بل يرتدي زياً عسكرياً، ويجلس داخل مكتب، ويصدر التعليمات، وتطاع أوامره، بل أن يأتي قائد الجيش نفسه ليحاوره! هل كان الانقلاب ذر رماد على عيون للانقلاب الزاحف الحقيقي؟.

ليس غريباً يومها أن يهتف عضو المجلس السيادي محمد الفكي ” هبوا إلى حماية ثورتكم” بعد أن سمع الجميع ارهاصات بالانقضاض على الثورة، بل كان الأغرب أن يذهب قائد الجيش الى قواعده العسكرية ويخاطبها خطاب تعبئة حربي، ويهاجم شركاءه في السلطة، بما في ذلك أعضاء المجلس السيادي الانتقالي، ليس هناك ما يبرر تلك الغضبة وتلك التصريحات العسكرية، وردة الفعل على طريقة ” القط والفأر في وسط البحر”.

في السياق كشف النقيب محمود عثمان الريح عمر (الدفعة 54) حسب ما نقل موقع ” مونتاكارو” عن الأسباب التي دعتهم للقيام بما اسماه بالحركة التصحيحية قائلا بان اقوى سبب هو تمدد قوات الدعم السريع على حساب القوات المسلحة وحالات الانفلات الأمني التي ظهرت في العاصمة والتى يشكل وجود الحركات المسلحة”.

.قال لي محمد الفكي، في إفادة خاصة ” وصلتنا معلومات قبل يوم ٢١ سبتمبر عن تحركات عسكرية، علمنا ذلك من مصادر متعددة، و في صبيحة اليوم التالي استيقظنا على خبر يفيد بإغلاق عددٍ من الجسور الرابطة بين مدن الخرطوم الثلاثة بعدد من الدبابات، اتصلت بالقائد العام للقوات المسلحة مستفسراً عن أنباء انتشار وحدات الجيش، قدم لي تنويراً قال فيه إن هناك قوات تحركت من سلاح المدرعات تجاه القيادة العامة، و لم نتمكن من محاصرتها حتى الآن واخضاعها للاستسلام”.

نشر الفكي، تغريدة على حسابه بالفيس بوك لإحساسه بأن الوضع الأمني أصبح في كف عفريت، ثم اجرى اتصالاته بقادة الحرية والتغيير، وتمكن من التواصل مع والي ولاية الخرطوم أيمن نمر، وعقدا اجتماعاً في بيته لبحث التطورات.

اتصل الفريق البرهان، بود الفكي منزعجا، تحدث معه بصوتٍ غاضب، وأخبره أن التغريدة التي كتبها خلقت أجواء عدائية وحالة هياج وتوتر داخل الجيش، سعى الفكي، من جانبه لتهدئة الوضع؛ فكتب تغريدة ثانية، إلا أن ذلك لم يفرمل عجلة التصعيد العسكري ، ولم يوقف دوي القنابل الصوتية والدخانية التي أطلقتها قيادات الجيش ضد المدنيين، وللغرابة كانت لغة البرهان هادئة وتصالحية مع القوة المتمردة عندما تفقد سلاح المدرعات مع نائبه، وهو السلاح الذي أُعلن أنه نثر كنانته في الانقلاب المعلن. لم يصعد الجنرالان ضد الوحدة ” المتمردة” بل أتخذا من مقرها منصة لإطلاق مزيد من النيران على المكون المدني، وقال البرهان ” أن هناك من يسعى للجلوس على الكراسي، ولم نرَ قوى سياسية تتحدث عن الانتخابات أو هموم المواطنين وحلّ مشاكلهم، وأكد أنه لن تستطيع أية جهة أن تبعد القوات النظامية من المشهد في السودان خلال الفترة الانتقالية لأنه ليس هناك حكومة منتخبة، متعهدا ببذل كل جهد لمواجهة المخاطر التي تواجه مصير البلاد.كانت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، أحد أسباب انقلاب البرهان، وهو في المقابل ما يعتبرون الإسلاميون نكوصاً من اتفاقات سابقة مع الفريق البرهان، قبل الموافقة على اختياره لقيادة مرحلة الانتقال، لكن بشروط كثيرة، أهمها عدم المساس بأموال الحركة الإسلامية، واجراء انتخابات مبكرة، إلا أن تيار الثورة العاتي جرف معه حتى العساكر، فبدأت تلك التعهدات في الغرق، صار التراجع أمام التيار الجارف مغامرة تحتاج إلى ترتيبات دقيقة حتى يتم إعادة ترسيم المشهد وهندسته من جديد، أي العودة بالأوضاع الى ما قبل الحادي عشر من أبريل ٢٠١٩، ومن ضمن أدوات ذلك، الانفراد بالسيطرة على المؤسسات الأمنية والعسكرية، العمل على تقسيم القوى المدنية، شيطنة رموز الانتقال، تفتيت الشارع، زرع الاحباط في نفوس الشباب، الوصول إلى مرحلة ” اكتئاب ما بعد الثورة” ليقف الجميع ضد الجميع، وسيطرة ” شح النفس” التي لا ترى الا ما ترى. سحب البرهان، الحراسات الشخصية لعضو السيادة محمد الفكي سليمان، بمزاعم أن الفكي أهانه شخصياً، مثلما سحب البرهان، أفراد الجيش من حماية لجنة التفكيك،

و ربط ود الفكي ، الأمر بان مقر اللجنة كان غرفة عمليات” رمزية الثورة وقياداتها السياسية فصار مقرها الرئيسي الذي يتوافد له قيادات و كوادر وجماهير الحرية والتغيير ولجان المقاومة، لكن وزير الداخلية أبقى على ضباط الشرطة.

أكدت التطورات إن سلطة بلا أجهزة عسكرية وأمنية وشرطية هي سلطة عاجزة عن الفعل، وعن البقاء، وعندما تتخلى السلطة عن تلك الأدوات المهمة، أدوات احتكار العنف ستجد أن تلك الأدوات انقلبت ضدها، وأمسكت قادتها وأدخلتهم في غياهب السجون. ومن المؤكد أن فترات الانتقال في كل العالم تمر بحالات من الشد والجذب، المد والجزر، الكفر والفر مع عناصر الحرس القديم الذين يسعون إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، واسترداد حكمهم

معروف أن كل الشعوب تمر في ثوراتها بعقبات، تضعها قوى سياسية لا يخدم التغيير مصالحها، هناك من يطلق على مثل هذه القوى ” الثورة المضادة”، إلا أن التعريف الأدق من وجهة نظري هو القوى المضادة للثورة، لأن الثورة فعل يهدف التغيير والانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، أما المضادة، فهي قوى اجتماعية، حركات سياسية، جيوش وقوات أمنية تسعى إلى قطع الطريق أمام الانتقال لمرحلة جديدة، أو شد قوى التغيير إلى الوراء.أياً كان المصطلح، فهي سمات ملازمة لمراحل الثورات في كل العالم، ومن أبرز الأمثلة هي الثورة الفرنسية، فبعد انتصار الثوار على الملك لويس السادس عشر، في عام ١٧٨٩ تحالفت قوى عديدة لهزيمة خطة الثورة في تحويل فرنسا ” إلى ملكة دستورية” وتحالف ضد هذا المسعى الملك لويس، نفسه الذي رفض الإصلاحات التي تقلل من صلاحياته، وشاركه في مخططه طبقة النبلاء، ورجال الدين، لمخاوفهم من فقدان امتيازاتهم في عهود الحكم الملكي المطلق، الذي تسنده طبقات أصحاب الأموال، وقيادات الكنيسة. شملت القوى المضادة أيضاً قوى خارجية في بعض دول أوروبا مثل النمسا وملكها ليوبولد الثاني، شقيق ماري انطوانيت، زوجة الملك لويس السادس عشر، وتأسس حلف عسكري عريض ضد الثورة الفرنسية ضم؛ بريطانيا، أسبانيا، سيردينا، النمسا، هولندا، وبروسيا. وأطلق عليها في ثورات الربيع العربي” الدولة العميقة”، التي تقف ضد التحول الجديد حفاظاً على مصالح اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية.

نواصل في حلقة قادمة .

زر الذهاب إلى الأعلى