جعفر عباس يكتب:كرهت المدرسة وسنين المدرسة
بعد أن استمتع بإجازة امتدت لثلاثة أشهر، قرر صبي مكسيكي أنه ليس في حالة نفسية تسمح له بالعودة إلى المدرسة، فأحضر أنبوب غراء – سوبر جلو – وألصق به يديه وساقيه بالسرير المعدني. وفي الصباح جاءت أمه قائلة: هيا لتناول الإفطار والتوجه إلى المدرسة. رمى الصبي أمه بنظرة وابتسامة المنتصر، ثم اعترف لها بحكاية الغراء. جربت الأم محاليل مختلفة لإذابة الغراء، ولكنها لم تفلح. فاستُدعي الدفاع المدني بمناشير الكهرباء، وقطعوا السرير هنا وهناك، وبعد معاناة أسفرت عن تقشير جزء من جلده تم فك الارتباط بينه وبين السرير. لكنه كان قد انتصر، فقد انتهى اليوم الدراسي! وغدًا يفرجها صاحب الفرج.
شخصيًا، كنت أكره المدرسة في المرحلة الابتدائية حيث قضيت أتعس لحظات حياتي. لم يكن في المدرسة شيء يشرح النفس: شتائم وضرب وواجبات وجدول الضرب وحفظ و”تسميع”. وكانوا يعاقبوننا إذا كانت ملابسنا متسخة، بينما لم يكن لدينا سوى جلباب واحد للمدرسة، والماء الذي نغسل به ثيابنا وأجسامنا نأخذه من النيل مباشرة. يعني كل ملابس من حولك بنية اللون رغم أنها في الأصل كانت بيضاء، لأن ماء النيل بني. وكلما سمعت زميل دراسة يقول: “يا حليل أيام المدرسة” أصيح فيه: “اسكت يا منافق!”.
ولما رسبت في المحاولة الأولى لدخول المدرسة الوسطى رقصت طربًا: بلا وانجلى، حمدًا لله على السلامة. ولكن عمي محمد عثمان “موسوليني” جلدني كما تُجلد الإبل الشاردة، وأجبرني على إعادة السنة و”حدس ما حدس”. كرهت حياتي المدرسية من المرحلة الابتدائية حتى بداية الثانوية. لكنني كنت سعيدًا للغاية بالحياة الجامعية، والسبب أنني طلقت الرياضيات بالثلاثة، ولم يكن هناك ضرب ولا جلد، ولم يكن الأساتذة ينسبوننا إلى الحيوانات كما كان يحدث في المدرسة: “يا حمار”، وإن كنت ممتلئ الجسم: “يا بغل.. يا بقرة”. وقد لازَم لقب “حلوف” (خنزير) أحد زملاء الدراسة إلى يومنا هذا، وزميل آخر لا يزال الناس ينادونه “الخروف” من وراء ظهر أبنائه، فلا يغضب.
في المدرسة المتوسطة اخترعنا “البردعة”، وهي عبارة عن كيس مخدة نجعل منه أربع طبقات ثم نلفه حول أردافنا ليمتص الضربات التي كانت تنهال على مؤخراتنا. ويروي أحد أبناء حفير-مشو كيف أن أخاه المغترب في السعودية أتى بأول “جركانة” بلاستيكية في البلدة، فقام صاحبنا بقص جانب منها بالسكين واستخدمها بردعة. وعندما جاء دوره في الجلد ونزلت عصا الخيزران عليه، فإذا بصوت مدوٍ: “دلللل” كالطبل في المولد. انكشف أمره، ولكن طرافة الحادث أنقذته من العقاب.
أسّ الداء أن مدارسنا مهتمة بالتعليم لا بـ”التربية”. المهم هو حشو الرؤوس بأصول القراءة والكتابة والحساب. لا اهتمام بالكيف. المعلم مطالب بإكمال المقرر في وقت محدد، وتحاسبه الوزارة كأنها شركة: كم واحد نجح وكم رسب. وعليه أن يسجل طريقة التدريس في “دفتر التحضير” – وهو من أسخف ابتكارات النظام التعليمي، ولم يعد معمولًا به إلا في العالم العربي. كنت خلال فترة عملي بالتدريس لا أتذكر أمر دفتر التحضير إلا عندما أعلم بقدوم مفتش أو موجه، فأعد في غضون ساعتين دروس أربعة أشهر مضت!
كنت أتعامل مع مهنتي كمعلم بجدية، لكنني كنت مقتنعًا بأن دفاتر التحضير وطوابير الصباح كلها “حركات” بلا معنى، يحافظ عليها ديناصورات رهن بقاء مناصبهم ببقائها.
(ما في زول يجي يقول لي إنه كان مستمتع بالمدرسة).






