سلايدرمنوعات وفنون

التجاني يوسف بشير.. العبقرية التي اغتالتها الفئة الباغية

منوعات ـ شبكة الخبر

كان التجاني يوسف بشير وهجاً فريداً في سماء الشعر السوداني، عبقريًّا سبقت أسئلته عصره، وأحرجت عقول أساتذته في المعهد العلمي الذين ضاقوا بأفقه الواسع واتهاماته الضمنية لجمودهم. لم يكن يشكو قصورًا في النحو أو ضعفًا في البيان، فهو نابغة الفصحى ورائد القريض، وإنما كان يثور على جفاف المناهج وضيق أفقها، وعلى عجزها عن مجاراة شغفه بالمعرفة وحبه للعلم والمعلم.

قصيدته الشهيرة التي نظمها بعد حادثة فصله من المعهد تكشف عمق المأساة:

كفر ابن يوسف من شقى واعتدى

وبغى ولست بعابئٍ أو آبه

لقد كان يرى في معلمه حسين منصور نموذج الأستاذ الحقيقي، حتى أن الأخير ضاق ذرعًا بمستوى المعهد والقائمين عليه، فغادر إلى مصر غير آسف. ومن هنا بدأ التجاني يوجه نقده الجريء لما سماه التدين الزائف والتقوى المصطنعة. ففي مقال نشره بمجلة النهضة عام 1932، كتب:

“قوم منا أخذوا يتظاهرون بالتقوى جاعلين الدين وسيلة لبلوغ مآربهم… أما الآن فقد جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً”.

هذا الوعي المبكر هو الذي جعل المؤسسة التقليدية تضيق به ذرعًا، فاتهمته بالكفر والزندقة لأنه قال في شعره:

وعبدناك يا جمال وصغنا

لك أنفاسنا هياماً وحبّا

لم يفهموا أن الجمال عنده هو تجلٍ لأسمى معاني الإله، وأنه كان يردد في جوهره قول النبي ﷺ: “إن الله جميل يحب الجمال”. لكن عقلية الهوس الديني، التي ستعود لاحقًا بأقسى صورها بعد 1989 على يد تيارات الإسلام السياسي، لم تحتمل إشراقه، فكفّرته وضاقت بحريته، لتغتال عبقريته مبكرًا.

التجاني يوسف بشير لم يمت بالكفر الذي ألصقوه به، بل اغتالته عقليات متحجرة خنقت الفكر الحر وأفسدت فضاء الجامعات والمعاهد. لقد كان عقلًا مضيئًا سبق زمانه، ولو امتد به العمر لكان من أعظم المجددين في الشعر والفكر.

زر الذهاب إلى الأعلى