في القولد التقيت بالصديق: أنشودة الزمن الجميل

كيف تحولت رحلات الجغرافيا إلى شعر وحنين وطني ؟
منوعات ـ شبكة الخبر
في زمنٍ كانت فيه بخت الرضا منارة للتعليم والتجديد، خرج علينا كتابٌ استثنائي حمل اسم “سبل كسب العيش في السودان”، لم يكتفِ بسرد المعلومات الجغرافية، بل حوّلها إلى رحلة أدبية زاخرة بالصور والأنغام.
كان هذا الإنجاز ثمرة رحلاتٍ ميدانية لأساتذة أجلّاء جابوا السودان من القولد شمالاً حتى يامبيو جنوباً، فصارت تلك المشاهد دروساً حيّة يرددها الصغار بأهازيج خالدة.
عبد الرحمن علي طه.. حين صارت الجغرافيا أنشودة

لم يكتفِ عبد الرحمن علي طه بالمشاركة في إعداد الكتاب، بل قدّم إضافته الفريدة: أنشودة ساحرة جمعت بين الفن والمعرفة، بين الشعر والجغرافيا.
ولذلك وصفه الأستاذ الفكي عبد الرحمن قائلاً: “إنه ممثل وكاتب مسرحي، أدخل الجغرافيا باب الأدب”.
حنين يوقظ الذاكرة
أجيالٌ متعاقبة ظلّت تردّد:
“في القولد التقيت بالصديق.. أنعم به من فاضلٍ صديقي”
نشيدٌ وحد وجدان الأطفال من أقصى الشمال حتى أقصى الجنوب، فكان بمثابة جسر وجداني حمل معاني الوطن الكبير.

كما قال الأستاذ مكي أبو قرجة: “ظلّت حناجر الأطفال الغضة لأكثر من خمسين عاماً تردد نشيداً شجياً… يشد نياط القلوب بأوتار لا ترتخي”.
من القولد إلى عطبرة.. رحلة وطن
الأنشودة لم تكن أبياتاً شعرية وحسب، بل خريطة وجدانية تعرّف الأجيال على الوطن وأهله:
صديق عبد الرحيم في القولد
محمد القرشي في ريرة
سليمان في الجفيل
محمد الفضل في بابنوسة
منقو زمبيري في يامبيو
حاج طاهر في محمد قول
أحمد في ود سلفاب
إدريس في أم درمان
وعبد الحميد في عطبرة
هكذا صار كل طفل سوداني يعرف أن الوطن أكبر من قريته، وأنه يمتد في الأفق بثراء البشر والطبيعة.
نص الأنشودة كاملة
في القولد التقيت بالصديـق
أنعم به من فاضل ، صديقى
خرجت أمشى معه للساقية
ويا لها من ذكريات باقيــة
فكم أكلت معــه الكابيدا
وكــم سمعت آور أو ألودا
ودعته والأهل والعشيرة
ثم قصدت من هناك ريره
نزلتها والقرشى مضيفى
وكان ذاك فى أوان الصيف
وجدته يسقى جموع الإبل
من ماء بئر جره بالعجـل
ومن هناك قمت للجفيـل
ذات الهشاب النضر الجميل
وكان سفري وقت الحصاد
فســرت مع رفيقى للبــلاد
ومر بي فيها سليمان على
ومرةً بارحت دار أهـلى
لكي أزور صاحبى ابن الفضل
ألفيته وأهله قد رحلـوا
من كيلك وفى الفضـاء نزلوا
فى بقعة تسمى بابنوسـة
حيث اتقوا ذبابة تعيســــة
ما زلت فى رحلاتي السعيدة
حتى وصلت يا مبيو البعيدة
منطقة غزيرة الاشجــار
لما بها من كثرة الأمطــار
قدم لى منقو طعـام البفره
وهو لذيذ كطعام الكسـره
وبعدها استمــر بى رحيلى
حتى نزلت فى محمد قـــول
وجدت فيها صاحبي حاج طاهر
وهو فتى بفن الصيد ماهر
ذهبت معه مرةً للبحـــــر
وذقت ماء لا كماء النهـــر
رحلــت من قول لودْ سلفاب
لألتقى بسابع الأصحــــاب
وصلته والقطن فى الحقل نضر
يروى من الخزان لا من المطر
أعجبنى من أحمد التفكيـــر
فى كــــل ما يقوله الخبيرُ
ولست أنسى بلدة أم درمان
وما بها من كثرة السكـــان
إذا مرّ بي إدريس فى المدينة
ويا لها من فرصـــة ثمينة
شاهدت أكداساً من البضائع
وزمراً من مشتر وبــــائعْ
وآخر الرحلات كانت أتبره
حيث ركبت من هناك القاطره
سرت بها فى سفر سعيد
وكان سائقى عبد الحميـــد
أُعجبت من تنفيذه الأوامر
بدقة ليسلم المســـــافر
كل له فى عيشه طريقـة
ما كنت عنها أعرف الحقيقـة
ولا أشك أن فى بــلادى
ما يستحق الدرس باجتهـــاد
فإبشر إذن يا وطني المفدي
بالسعي مني كي تنال المجد











