منوعات وفنون

«أرقي» .. صوت الوطن بين “حضن منظومة الصناعات الدفاعية” و “أجنحة تاركو للطيران”

بقلم – يونس سراي

من يستمع إلى عبد الرحيم أرقي، هذا (الكنار النبيل) القادم من ضفاف (أرقي) على (النيل)، والممتد جذراً في (الشمالية) حيث تعانق (الواحات الخضراء) (النيل السرمدي)، وتتزين الأرض بألق (ثمار البلح) و(النخيل الباسق)، في مشهد يجمع بين خصوبة الطبيعة وكرم الإنسان، يدرك أن صوته الشجي لم يأتِ من فراغ، بل خرج من رحم الطبيعة الصافية ومن عمق الجغرافيا التي أنجبت ألحانه وإحساسه. لم يكن مجرد صوت يطرب، بل كان صورة حيّة لوجدان المكان الذي نشأ فيه، ينساب مثل النيل، ويصدح مثل الطيور في صباحات (الريف السوداني).

وقد ظللت شخصياً (أستمع وأستمتع) بأغنياته التي تجمع بين العاطفة والحنين والوطنية، لا سيما رائعته «في منامي اتذكرتهم» التي تعكس لوعة الحنين وصدق العاطفة، فتجعل المستمع يعيش تفاصيل الحلم وكأنه واقع. وهكذا أصبح (أرقي) الصوت الذي جمع بين (الحب) و(الوطن) و(الأم)، فصار وجداناً سودانياً متفرداً، وذاكرة جمعية لا تنسى.

أرقي – صورة حديثة

اليوم يمر هذا الصوت العذب بظرف صحي دقيق نتيجة إصابته (بارتخاء في الأعصاب)، الأمر الذي استدعى سفره إلى (الهند) لتلقي العلاج. ومع انتشار الخبر علت أصوات (المحبين) مطالبةً بالوفاء لمبدع عاش للناس ومن أجل الناس، فجاءت الاستجابة سريعاً وكريماً.

لم يطل الانتظار حتى جاء الوفاء من (الوطن) ومؤسساته؛ فقد أعلنت (منظومة الصناعات الدفاعية) بقيادة سعادة الفريق أول ركن (ميرغني إدريس)، وبتنسيق كريم مع المبعوث الخاص لرئيس مجلس السيادة الفريق (الصادق إسماعيل)، دعمها الكريم لمشوار علاج الفنان. ثم جاءت الاستجابة المشرّفة من (شركة تاركو للطيران) بقيادة الشاب الخلوق (سعد بابكر) وأركان سلمه، الذين وبإسم (تاركو) تكفلت بكامل تذاكر السفر للفنان ومرافقيه إلى (الهند). لقد شكّل هذا التكامل بين الجانبين صورة ناصعة للوفاء والإنسانية.

لقد غنى (عبد الرحيم أرقي) للحب في «جن الريد» وهو يردد: «جن الريد ما بخمد نار، جن الريد بيشعل دار». وغنى للوطن في «يوم بالسلامة تعود» وهو يبعث الأمل قائلاً: «يوم بالسلامة تعود، تلقاني ياني أنا راجياك». وغنى للأم، رمز العطاء والحنان، في رائعته الخالدة «عافي منك» قائلاً: «عافي منك وراضي عنك، سو رضايا ما بيخيب». كما صوّر عمق الحنين في رائعته «في منامي اتذكرتهم» التي تخاطب وجدان كل مغترب وكل عاشق، حيث ينساب صوته العذب ليجعل الحلم مساحة لقاء، ويحوّل الذكرى إلى حياة نابضة بالمشاعر. وهكذا ظل (كنار النيل النبيل) يغني (للحب) و(للوطن) و(للأم)، جامعاً كل معاني (الإنسانية) في صوته.

واليوم، وهو يواجه محنته الصحية، بدا وكأن (الوطن) قد ارتدى ثوب (الأم) نفسها، ففتح ذراعيه عبر مؤسساته الوطنية وأبنائه المخلصين ليقول له: «عافي منك». إن الموقف الذي اتخذته (منظومة الصناعات الدفاعية) و(شركة تاركو للطيران) لم يكن دعماً مادياً فحسب، بل كان امتداداً لحنان الوطن، ووفاءً لصوت غنى (للحياة) فصار جزءاً من حياتنا جميعاً.

وفي رحلته (للعلاج) تسافر معه قلوب الملايين بالدعاء، مترنمةً بكلماته المؤثرة: «كل ما يزورني الليل أنا ببكي وأتألم، تلقاني سارحة معاك وأنا بلقاك بحلم». لكن الحلم هذه المرة ليس حلماً بالعاطفة وحدها، بل حلماً بعودته (معافى) ليواصل مسيرته الفنية التي بدأت منذ (السبعينيات)، ويظل (كنار النيل النبيل) بأوتاره الشجية شاهداً على أصالة (السودان) ووفاء أهله لمبدعيهم.

أحد أعمال أرقي

وكأن عبد الرحيم أرقي يبعث إلينا برسالة خفية من خلال رائعته «باكر بجيك»، حين يردد: «باكر بجيك قاطع مسافات العشم شايل معاي هوى العيون آمالي في أجمل نغم». إنها ليست مجرد كلمات أغنية، بل وعد صادق بأنه سيعود إلينا كما عرفناه، يحمل بين جوانحه الأمل والحب والنغم، عابراً المسافات والآلام، ليبقى (صوت الوطن) و(ذاكرة الناس) و(كنار النيل النبيل) المغرد أبداً في فضائاتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى