الوليد مادبو يكتب : بابكر عيسى .. حين ينهض الزمن الجميل من بين الركام
في هذا الركام الذي نسمّيه وطنًا، ما زالت بعض الشموع تأبى الانطفاء. شموعٌ لا تضيء بألسنة النار، بل بقلوبٍ سكنت فيها القيم. وحين نتلمّس طريقنا وسط العتمة، نكتشف أن الذين رحلوا لم يرحلوا حقًا، وأن الذين صمدوا لم يصمدوا لأنفسهم بل من أجل ذاكرةٍ أكبر من أعمارهم.

بين غبار الخراب يطلّ بابكر عيسى، لا بوصفه رجلًا فقط، بل بوصفه زمنًا ينهض من بين الركام؛ زمنًا يذكّرنا بما كنّا، ويسالنا عمّا صرنا إليه. في حضوره نسمع أصداء جيلٍ كامل، جيلٍ لم يترك لنا ثروةً ولا قصورًا، بل ترك لنا إرثًا من المعنى، ومعنى من الإرث.
لقد حفّزني مقالي الأول “بابكر عيسى: سيرة حكيم يتكئ على ابتسامة” أن أكتب ثانية، بعد ما وصلتني تعليقات وحكايات فتحت أمامي كوة روحية وألهمتني طاقة فكرية دفعتني للتأمل في أصالة معدنه. وقد أدركت أن هذه الأصالة لم تكن وليدة لحظة، بل هي امتداد لسلالةٍ عريقة، تبدأ بوالده الحاج عيسى أحمد (ترجع أصوله لأهلنا البديرية الدهمشية)، الرجل الوقور الذي اشتهر بالكرم حتى كُنّي من فيض عطائه بـ “خريف الروى”؛ الخريف الذي يروي كل شيء دونما فرز، فلا يظمأ في رحابه قريب ولا بعيد.
وعلى الضفة الأخرى تقف والدته، ست الجيل أحمد النور ترير (ترجع أصولها لأهلنا الركابية في قريتيّ كرمكول والدبة)، المرأة التي اتشح صبرها بالمحنة حتى صار الحنان طبعًا في بيتها والصلابة خُلُقًا في أبنائها. وما إن يُذكر اسم ترير حتى يقفز إلى الذاكرة خاله المرحوم الأستاذ الفاتح النور ترير، رائد الكلمة وصاحب أول صحيفة إقليمية في إفريقيا عام 1945 (جريدة كردفان)، وكأنّ صنعة الحرف كانت إرثًا خالدًا انتقل عبر الخؤولة ليجد في بابكر موهبة موروثة صقلتها دراسة القانون وممارسة الصحافة؛ فالأولى تبحث عن العدالة، والثانية تنقّب عن الحقيقة.
لا ننسى أن بابكر عاش في زمنٍ كانت الخدمة المدنية فيه متماسكة، والمرجعية الأخلاقية حيّة، والروح الوطنية ندية. لعله نهل من ذاك المعين ثم جاءت الإنقاذ، فغزت كل شيء، وبدّلت نعمة الله كفرًا وأحلّت قومها دار البوار. لا عجب، أن قد ظل أزلامها دومًا غائبين عن حضور مثل هذه المنتديات في الدوحة، لأن حضورهم في ظني يتناقض مع روح الوفاء، ولأنهم يتمنون انطفاء هذه الشموع ليحتكروا الظلام. فيما نجتمع نحن أبناء السودان نكرم رموزنا ونجلّهم، لأنهم ميزان القيم وعماد الذاكرة المؤسسية.
أتذكر أن والدي اصطحبني يومًا إلى مكتب الأستاذ محجوب محمد صالح ليبارك له جائزة القلم الذهبي. دخلنا غرفة متواضعة، فرأيت رجلًا زاهدًا، ووراء الزهد انبثق بريق من الكبرياء الوطني، ورأيت كيف كان الكبار يحترمون بعضهم البعض، وكيف كانوا يتعاملون مع الوطن بوصفه وديعة في أعناقهم، لا مغنمًا يتنافسون على نهشه.
ولقد رأيت بأم عيني مفارقة موجعة. صحفيون انتهازيون أثْروا من تجارة الورق ومن التملق للأعور الذي سهّل لهم الاحتكار، فيما كان مكتب محجوب بلا تكييف، لا يحرك حرارته إلا مروحة بطيئة تنفث هواءً ساخنًا. هنالك أدركت الفرق بين من يغتني بالمال ومن يغتني بالقيمة. فجيل محجوب محمد صالح واحمد يوسف التني وبشير محمد سعيد لم يراكم ثراءًا ماديًا، لكنه راكم محبة الناس وتقديرهم واحترامهم.
ولا أنسى يوم زرت بابكر في مستشفى حمد بعد جراحة كبرى. دخلت عليه، فرأيت أبناءه وبناته ملتفين حوله، وجوًا عائليًا يفيض دفئًا. قلت له يومها: “النِعَم في طيّ النَغَم”، وها أنت ترى بعينيك احتفاء أهلك وذويك بك، فما أجملها من نعمة. دمعت عيناه، وحمد الله في سره. وقد صدق النبي (صلى) إذ قال: بروا آباكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم. الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 417).
ومن بين ما روى بابكر في الندوة، أنه حين ابتُعث إلى جنوب أفريقيا لتغطية بطولة التنس والإسكواش عام 1992، حرص على لقاء مانديلا. لكن الأجهزة الأمنية لاحقته، وأوفدت أحدهم للالتقاء به فطالبه الالتزام بغرض الزيارة، فقال له بابكر مندهشًا: ما شأنك انت ومانديلا وانت رجل أبيض؟ فأجابه ذلك الضابط بكلمة لن تُنسى: “إنما نحن نحرص على سلامة الزعيم، لأنه كالسبحة التي تجمع حبات الشعب الجنوب إفريقي.”
يا لها من كلمة، ويا له من مشهد! كيف أبانت عن وطنية رجل أبيض في جنوب أفريقيا، وعن خسة رجل أسود في الخرطوم. ذاك الأبيض رأى في مانديلا حياة أمته، أما عمر البشير، فلما بلغه نبأ استشهاد قرنق، ذاك الفارس المهيب، قال بغلظة وجهل وازدراء: “أراحنا الله من شره”! فصرخت في داخلي: متى يريحنا الله منك ومن زمرتك التي شوهت وجه الوطن؟
ختامًا، لقد أيقنت على مرور الأيام أن أهل كردفان هم الأقدر على إصلاح ذات البين، لأنهم أبعد الناس عن العصبية؛ فهم أبناء وبنات تمازج تاريخي نادر. إذ أن أصول بعضهم تعود إلى الشمال لكنهم ما لبثوا أن استوطنوا الغرب، وامتصوا من تربته روحًا عبقة أكسبتهم وسطية في المزاج، وعبقرية في التفكير، وأريحية في التعبير، حتى غدوا جسورًا طبيعية بين الشمال والغرب، ورموزًا للجود والسماحة. فالله نسأل أن يعينهم على جمع الشمل ورأب الصدع.
September 1st, 2025











