آراء ومقالات

رباح المهدي تكتب: لامدر أعودا: من مشاهدات العودة السبعية (2)

بقلم – رباح الصادق المهدي

(1)

حينما حطت الطائرة على مطار بورتسودان لم يخفق قلبي، ولم أشعر بأي طعم، كان فؤادي كقلب أم موسى فارغًا. لكن النبض ابتدأ ونحن ننهب الأرض نهبًا على مشارف بحري، ثم حينما دخلنا كرري، تجمع المعنى كله، وأصبحت حقيقة العودة للوطن ولو لطلّة، بعد خروجنا مفزوعين (في الجفلة الأولى)، كما قالت إحدى النازحات، أمرًا ملموسًا.

يا الله، قال الحبيب عادل شريف، وكان يجلس بالمقعد الأمامي يتبادل الحديث مع الحبيب الأمير القيادة. خاصة وأنني لم أدع الأمير فجر ذلك اليوم ينام ولو ساعتين، فأيقظته لنعدل طريقنا نحو البقعة. شخصيًا، جافاني النوم يومها وحتى الأيام التالية، قال عادل. كان شعورًا عجيبًا، وقد كنا وطنا أنفسنا على الفرقة، ولم يعد في الخيال أن نعود إلى الديار يومًا.

(2)

كنت أترقب صباح الاثنين الذي كان يدبُّ دبّيبًا، لأن لي موعدًا مع الضريح الفاح طيب العابق. مشتاقين يا حبيب، والله مشتاقين لك ولأب زينب والأئمة جواركما.

(3)

حينما دخلنا حوش القبة، وجدنا العم عيسى خريفًا، وسعدنا لعودته بعد أن ظلت القبة فترة بلا حارس إبان احتلالها من التتار. حكى العم عيسى أنه كان مريضًا وأجرى عملية، وبعدها حاول العودة للقبة فهددوه وقالوا له: إن جئت مرة أخرى فلن تجد إلا طلقة في رأسك أو تُسجن، فأمسك رجله حتى دخل الجيش أم درمان.

زارنا عم عيسى في بيت الإمام، مكان الأمير، وكان عدد من الأحباب يحكون مشاهداتهم، ومنها العنت الذي قابلوه من الطرفين، خاصة أيام الحصار، فكل طرف كان يتهم المواطنين بالتعاون مع الطرف الآخر، ولهذا حدث كثيرًا أن يُتَّهَم ذات الشخص وينكَّل به من الطرفين. أطرق عم عيسى ثم قال: “سمعت ما تقولونه وأصدقه، لكن لولا دخول الجيش لما كانت جلستنا هذه باختلاف مواقفنا ممكنة.” فصمت الجميع.

(4)

حينما دخلت الضريح حيث روحي مقيمة، تفجرت كل مشاهد اللقاءات، وفيض الشوق غمرني. وبعد قراءة الفاتحة جلسنا لنتلو سورة الجن، وكان الحقاني عليه الرضوان يطلب في أيامه الأخيرة من شقيقتي مريم أن تتلوها له، وتكرر الآية: (فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسًا ولا رهقًا) ثلاث مرات، ومن شقيقي بشرى أن يضع يده على رأسه، وحينها كان عليه رضوان الله وسلامه لا يقدر على الكلام، فكل طلباته كانت بالكتابة. ولعل في تلاوتها نوع من التأسي بالإمام الأكبر، الذي جعلها بكاملها جزءًا من الراتب الذي يتلى فجرا وعصرًا.

جلسنا أمام الضريح، وسورة الجن، والصور تتراكم، ثم انصرفنا، وفي الضريح روحنا ومعنا الأشباح.

(5)

في مخدعه بالملازمين، وجدنا أن الأيدي الآثمة عبثت بكل شيء، والحمد لله الكتب والأوراق بعثرت، ولكن لم تُصادر. فالحمد لله على قدره ولطفه.

سيكون لنا مع إرث الحبيب ومكتبته وقفة أخرى إن شاء الله..

وليبقَ ما بيننا.

زر الذهاب إلى الأعلى