جعفر عباس يكتب: فراق المريخ والكنكان
أحسب أن جوانب كثيرة من شخصيتي تشكّلت في محطة جامعة الخرطوم، وكان أحد أهم القرارات التي اتخذتها في الجامعة طلاق نادي المريخ الرياضي. كنت قبلها لا أنام ولا أتناول الطعام إذا خسر المريخ مباراة، وأعانني على الطلاق أن كرة السلة كانت اللعبة الأولى في الجامعة. ثم جاء طلاق ألعاب الورق (الكوشتينه). في مدرسة وادي سيدنا الثانوية، كنت، كما مئات الطلاب، أمارس لعبة الويست يوميًا والـ “هارت” أحيانًا، بينما كنت أمارس البصرة وشلعت وكش الولد والكنكان مع الأقارب والأصدقاء في كوستي. ولم يكن لعب الورق شائعًا في جامعة الخرطوم، ربما لأن “وقتنا كان مليانًا” بمختلف أنواع الأنشطة “المفيدة”.
وفي ذات سنة، كانت هناك مجموعة كبيرة من الطلاب قد عادت إلى الداخليات في الجزء الأخير من الإجازة الصيفية للجلوس لامتحانات الملاحق. وذات ليلة، جلس شلة من الأصدقاء في غرفة نائية في الداخلية المسماة “امتداد بحر الجبل” للعب القمار، (طبعا كانوا محمَّلين بالكاش بعد إجازة طويلة). وبعد عدة ساعات، قرر أحدهم الانصراف، ففتح باب الغرفة ثم سقط بعد أن دخل في غيبوبة، وهرع زملاؤه إليه. رأوا زملاءهم “المملحقين” مثلهم عائدين إلى الداخليات بعد الجلوس لامتحانات ذلك اليوم، أي أنهم واصلوا اللعب حتى نحو العاشرة من صباح اليوم التالي. وكانت النتيجة أن ستة من شلة المقامرين تلك رسبوا في الملاحق وأعادوا السنة. (ولاعب القمار خاسر حتى وهو يظن أنه رابح).
في جامعة الخرطوم، اكتسبت مهارة إدارة الوقت، وصرت أجيد تقسيم وقتي بين القراءة الأكاديمية والإضافية والترفيه والعلاقات الاجتماعية. وكنت مع دنو موعد الامتحانات أقسم وقتي باليوم والساعة بين المواد الأكاديمية بحيث أعطي كل مادة حقها، وما زلت إلى يومنا هذا أملك تلك المهارة. لا يحدث إلا مرة كل بضع سنوات أن تنبهني صحيفة إلى أنني لم أزودها بمقالي في الموعد المحدد، لأنني أكتب المقالات في أوقات معلومة من اليوم بانتظام. بل إنني أتقيد بالمواعيد بدقة جراحية، وحيثما عملت أكون من أوائل من يصلون موقع العمل. ولو ضربت موعدًا للقاء أحدهم، فلابد أن أسبقه إلى مكان اللقاء بقليل، ولهذا فإنني شديد الضيق بالطريقة البلدية لضرب المواعيد (“أجيئكم بعد صلاة العصر”: كم يعني؟ 10 مساءً؟ “نتقابل في إجازة العيد”: في اليوم الأول أم الرابع؟).
ولا أحب عبارة قتل الوقت وتكسير الدقائق، بل أتمنى لو أن الساعة تتألف من 72 دقيقة واليوم من 42 ساعة والأسبوع من تسعة أيام (4 منها إجازة). فلأنني لا أتمتع بأي مهارة يدوية وليست لدي أي هواية، فإنني أملأ وقتي فقط بالقراءة. حتى بعد أن صرت من جماعة: “العوينات يا جناي شوفن ضنين”، (لمن يقولون إن كلما قمت بنشر مقال في ساعات الفجر الأولى فإن سبب حرماني من النوم ليلاً هو النوم الطويل نهارًا وربما شرب القهوة، أقول إنني لا أمارس النوم نهارًا مطلقًا، كما أنني لا أشرب القهوة عمدًا!! أي لو صادفت قهوة ذات رائحة جميلة هنا أو هناك، قد أشرب منها قليلاً).
وبعد التخرج، مارست الكنكان لدرجة الهوس، ولعدة ساعات متصلة، وكنت ماهرًا في سرقة الجوكر أثناء توزيع الورق، وكنت من الذين إذا صرخوا “خمسين” في منتصف الليل، عادت الخفافيش إلى أوكارها وانقطع التيار الكهربائي هلعًا، وضاعت الكثير من ساعات عمري في انتظار “البايظ”، وشخص نجاحه في مهمته يتوقف على شيء بايظ أكيد يعاني من خلل عقلي. وهكذا اعتزلت الكنكان قبل 30 سنة (أي عندما كان عمري 9 سنوات).
رغم أنني لا أتابع مباريات الكرة المحلية أو الدولية، إلا أنني ما زلت أطرَب لأي فوز للمريخ.






