حاطب ليل – عبداللطيف البوني يكتب: البروفسور أبو القاسم قور

حاطب ليل / ٢٣ أغسطس ٢٠٢٥
(مشروع ثقافي فكري لم يكتمل)
لا أدعي زمالة معه إذ لم يحدث أن تزاملنا في مؤسسة تعليمية أو مهنية، ولا أقول إن لي صداقة معه؛ إذ ليس بيننا تواصل دائم، ولم نتبادل أرقام الهواتف يومًا، ولكنني أجزم بأن هناك محبة قوية بيننا. كنت أقرأ كل ما يصدر عنه من كتابات بنهم شديد، وهو الآخر كان يقرأ لي. لقاءاتنا كانت متباعدة، وكلها في مناسبات ثقافية وأكاديمية واجتماعية. في هذه المرات التي نلتقي فيها تظهر تلك المحبة في أبهى حللها.
كنت أستجوبه عن بعض ما صدر عنه من أفكار وآراء ومواقف، وكنا نضحك كثيرًا، فأنت في حضرته لا تفرق بين الجد والهزل، والابتسامة لا تفارقه وهو ينطق بأقسى الكلمات. قلت له: “يا قور، هناك اتفاق بيننا على إبعاد الألقاب العلمية عندما نتلاقى”، وكان ذلك بمبادرة منه. فقال لي: “أنت مصاب بما يسمى تشوهات المهنة (Job Distortion) فأصبحت حياتك كلها عبارة عن مسرحية”. وصفني في أكثر من مقال بصفة “المفكر السوداني”، فقلت له: “دي واسعة شديد، يا قور، ولا أنا حاضطر أصفك بالفيلسوف السوداني، ونقعد نوزع الألقاب المجانية على بعض”. فقال مبتسمًا: “ياخي أنت قلت ما عاوز حتى الألقاب العلمية”. فسألته: “ألم تسمع بنظرية موت المؤلف؟ أنا عندما أقرأ أي نص لا أذكر كاتبه وأحكم على النص من خلال محتوياته فقط”.
قابلني ذات مرة كمن يبحث عني، فقلت له: “خير يا قور، عاوز تقول شنو؟”، فقال: “شايفك بدأت تظهر في التلفزيون كمقدم برنامج، فمن فضلك ابتعد عن التلفزيون دا”. فقلت له: “ولماذا؟”، فقال: “أنت اشتهرت ككاتب صفحي وأصبحت واسع الانتشار، فالظهور في الشاشة يزيل عنك الغموض الذي أضفى سحرًا على كتاباتك؛ بصراحة، الكتابة ستر، والتلفاز كاشف”.
أبو القاسم قور من طراز المثقفين الموسوعيين، واسع الاطلاع ومتنوع المعارف، فقد جمع بين المسرح والنقد الدرامي والقانون والفلسفة. كان مثقفًا عضويًا، يعافر بعلمه الغزير على كافة المستويات المحلية والإقليمية والقومية، وكان له اهتمام خاص بالثقافة الأفريقية وموقع السودان فيها، ومنتمياً لجماعة الرابطة الأفريقية (Pan Africanism).
كثير الأسفار لحضور المنتديات العالمية، ومن كل سفرية كان يعود بصديق جديد وبآخر الإصدارات العالمية. سألتُه مداعبًا: “يا قور، القروش دي من وين؟”، فأجاب: “الاحترافية تمكنني من التواصل مع المؤسسات الدولية، فلا أحتاج لبذل أموالي الخاصة”.
كان كثير الكتابة عن المسرح العالمي، يعرض آخر النظريات النقدية بطريقة سلسة وميسرة، ولم يكن يتقعر في الكتابة. أعلن في مقال شهير عن توقفه عن هذا النوع من الكتابة بعنوان “نهاية المسرح”، واصطف بعدها لثقافة السلام، حتى أسس معهداً لدراسات السلام، حيث قام بالكثير من مشاريع المصالحات المجتمعية.
عندما علمت بوجوده في القاهرة، قررت الاتصال به، فاتصلت بصديقنا البروفسور سعد يوسف، الذي أعطاني رقمه على الواتساب. طلبت منه موقع مركزه لزيارته، وكانت سعادته بالاتصال لا توصف. قال إنه طريح الفراش، فحولت المبادرة إلى زيارة مريض لثوابها. زرتُه في الدقي، وصلّينا المغرب معًا، ثم أصر على أن أصلي العشاء معه، فانفجرنا ضاحكين.
تحدثنا عن حالة البلاد الدامعة، وشاركني مشاريعه المتعلقة بالسلام في سودان ما بعد الحرب، وعن حزنه العميق على فقدان أهله وأصدقائه، وعن المرض الذي يعانيه والخلل في صمام قلبه.
في اليوم التالي، صعقني خبر رحيله. هكذا ترحل النوارس من بلادنا خلسة، ومعها العلم والثقافة والأدب والبسمة الدائمة، بعد أن حمل قلبها الكبير أسى وحزنًا لحالة البلاد والعباد، وتركت وراءها مشاريع علمية وثقافية لم تكتمل.
رحمك الله يا بروفسور أبو القاسم قور، وأسكنك فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين، وجعل البركة في ذريتك. لقد كنت نسمة، وبسمة، وفكرة في حياتنا… ولمثلك يكون الدمع هطالًا.






