بابكر عيسى يكتب : الطيب صالح … رئيساً لجمهور السودان
بقلم / بابكر عيسى أحمد
هل يأتي وقت يحمل فيه أهل الفكر مشعل السلطة، بعد أن ظلوا على الدوام يحملون مشعل الحرية والوعي والمعرفة؟ … هل بمقدور الأدباء أن يحققوا للبشرية ما عجز عنه أهل السياسة من تطلع مشروع إلى عوالم يبتعد عنها القهر ويسود فيها الحوار؟ … هل يملك أهل السياسة مساحة من الحلم والرؤية الرحبة والشاملة مثل الأدباء؟ … أسئلة كثيرة ما زالت معلقة، ولكن اليقين أن هذا العالم لن يصلحه إلا الذين يملكون الرؤية، وهم وحدهم القادرون على أن يرسموا لنا مسارات جديدة، وأن يدافعوا عن القيم النبيلة في الحق والحرية والمساواة … ولأن الأدباء والمفكرين والشعراء هم ضمير أي أمة من الأمم، فإنهم مطالبون وعلى الدوام أن يبقوا مشاعل متوهجة بالوعد، وأن يمزجوا بين الواقع والمستحيل ليحققوا الحدود الدنيا من التطلع المشروع في حياة لا يصادرها تجار الموت وتلاحقها مناهج التركيع والإذلال.
في العالم الثالث عانى الإنسان من بطش الأنظمة العسكرية الجائرة ومن دموية الأنظمة العقائدية التي تعتقد بإمتلاكها الحق الإلهي في أن تحكم بسلطات مطلقة، وأن تصادر حق الآخرين في أن يحلموا بأوطان آمنة تتسع فيها مساحات الخضرة ويجد الأطفال الرعاية والحنان ويعمل الرجال في الحقول برغبة وعشق وبلا خوف من أحذية الجلادين الغليظة.
من يملك الحلم في هذا العالم سوى الأدباء والشعراء والمفكرين والمبدعين في كافة مناحي الحياة المختلفة … هذه الفئات الملتصقة بالأرض عن اقتناع، والقريبة من نبض الجماهير العريضة المسحوقة تجدها في أغلب الأحيان إن لم يكن في أكثرها مغيبة عن ساحات المشاركة والملاحقة بتهم الإبداع والتجديد والدفاع عن الحق … ومصلوبة في قوائم الممنوعين عن المشاركة في بناء الأوطان وفي زراعة الأمل وحصد ثمار الوعي في شوارع المدن المنسية.
إن الأفكار الخاطئة هي التي تدمر الحياة عندما يجري الإصرار عليها والتشبث بها والدفاع بالباطل عنها … لا شيء يهزم الأفكار الخاطئة سوى المسموع وتلاقح الأفكار وتباين الرؤى … ومن كل ذلك تولد الحقيقة ناصعة ونقية.
في التاسع و العشرين من ديسمبر عام ١٩٩٠ انتخب نواب البرلمان ومجلس الشعوب التشيكوسلوفاكية في جلسة استثنائية الأديب والكاتب المسرحي فاكلاف هافل رئيساً جديداً للجمهورية خلفاً للرئيس الشيوعي السابق جوستاف هوساك … لأن هافل يُعبر عن الضمير الجماعي للأمة من خلال أعماله الأدبية التي فضحت الزيف ودافعت عن الحق والحرية، ولأنه كان الأقرب إلى التطلع الجماعي للأمة لعالم جديد تسقط فيها السلطة المطلقة ويبدأ معزوفة الحوار الجماعي.
ذهبوا إليه في منزله بعد التصويت الجماعي لنواب الشعب وأحضروه إلى البرلمان ليؤدي اليمين الدستورية … وشبه رئيس الحكومة الانتقالية ماريان شالفا الأديب والكاتب المسرحي هافل بمؤسس الجمهورية التشيكوسلوفاكية توماس مساريك وقال أمام البرلمان “أن هافل أصبح اليوم السلطة الأدبية العليا في نظر المواطنين في تشيكوسلوفاكيا”.
كان هافل قد أصبح بمقاومته السلمية ولسنوات طويلة ضد النظام الشمولي -رمزاً لحركة الإصلاح والديمقراطية في بلاده- ووصف الثورة السلمية الأخيرة في بلاده بأنها “ثورة القلب والإنسانية ضد السلطة الحاقدة والكذب والعار” … وأصبح اختياره رئيسا لبلاده علامة أخرى مميزة لإمكانية أن يكون للأدباء والمفكرين والمبدعين مجالاً في الحياة السياسية في أوطانهم والمشاركة في معزوفة العمل الجماعي بيقين وحب من أجل خير الجميع ومن أجل تجميل الواقع الذي تحاصره في العديد من الدول الحروب والمجاعات وامتهان الحريات ومصادرة العقول.
قبل فاكلاف هافل ب 10 سنوات برزت في القارة الافريقية ظاهرة جديرة بالاحترام رغم مساحة الدهشة التي أثارتها، ففي قارة شهدت أكبر رصيد من الانقلابات العسكرية فإن الحدث كان أمراً غير طبيعي بمقاييس ما هو كائن أن يتنازل رئيس دولة عن الحكم طواعية.
كان الظاهرة هو الشاعر ليوبولد سيدار سنجور الذي قرر في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام ١٩٨٠ أن يتخلى بإرادته الكاملة عن كرسي الرئاسة في بلاده السنغال بعد ٢٠ عاماً من الحكم استطاع خلالها أن ينقل بلاده إلى واحدة من أهم الديمقراطيات متعددة الأحزاب في غرب أفريقيا … وقدم سنجور الذي كان شاعراً ومفكراً وانساناً هدية ثمينة إلى أبناء القارة الافريقية، بأن بذر البذرة في حقول واعدة بالعطاء والموهبة … ورغم أن أفريقيا لم تتعلم الدرس فإن نمو شجر الوعي كفيل بأن يبدل هذا الواقع الكالح.
من دواعي الفخر في هذا الزمن الذي نحياه ان تجيء الثقافة -ولأول مرة- كعنصر هام من عناصر السياسة الجديدة في عالم تتجاذبه المصالح المادية ولا يتورع عن استخدام القوة لتحقيق أهدافه … ويقول سنجور “إن هدف الإنسان على الأرض أن يعيد صياغة هذه المملكة الجميلة مرة أخرى”.
في السودان عانينا كثيراً من عدم الاستقرار السياسي وتحولت مملكتنا الجميلة إلى واقع محزن ومفجع وحزين … ومن فوق صفحات الراية دعوت في الرابع من فبراير العام ١٩٩٢ لإتاحة الفرصة للمبدعين من أهل السودان لتولي السلطة … كمواطن سوداني لا ينتمي إلى أي حزب سياسي رشحت الأستاذ الأديب والمفكر الطيب صالح ليكون رئيساً لجمهورية السودان ليقيني أنه يملك الرؤية والقدرة على النفاذ إلى جوهر الأشياء والحس القادر على تفجير الطاقات الإبداعية لشعب يعشق الحرية ويؤمن بالحوار ولكنه رحل عن دنيانا في ١٨ فبراير ٢٠٠٩ حاملا معه الحلم بوطن آمن يتعايش أبناؤه بالحب والأخاء.
إن الميلاد يبدأ بصرخة … الذين يحملون مشاعل الوعي والحقيقة والوعد عارفون بأحلامنا وقادرون على مشاركتنا هذا الحلم المشروع في الخروج من زمن الطحالب البشرية التي تغطي شمس الحقيقة وازهار البحيرة.
المطلوب ليس فقط أن نطفئ الضوء وإنما نضيء شمعة الوعي في وجدان الأمة حتى نبدد الظلام … إن كانت شمعة واحدة عاجزة عن إضاءة الطريق فلتتوحد كل الشموع لتضيء درب هذا الشعب الباحث عن الخلاص … إن الثقافة السودانية كانت لها على الدوام سبق الريادة في توسيع المدارك واتساع قنوات المعرفة وقد آن الأوان لتواصل دورها الريادي في قيادة القافلة التي ضلت المسار.
يقول الطيب صالح -طيب الله ثراه- من الذي يبني لك المستقبل -يا هداك الله- وأنت تذبح الخيل وتبقي العربات … وتميت الأرض وتحيي الآفات … الأوطان لا يبنيها رجل واحد ولا حفنة من الرجال مهما بلغ منهما الإلهام والعبقرية، ولكن يبنيها مئات الآلاف من الرجال والنساء … ناس أحرار في وطن حر … كل يعطي على طريقته وقدر استطاعته … وهو بعد القائل “من أين أتى هؤلاء الناس بل من هم هؤلاء الناس؟”.






