«يوسف فضل حسن» .. ذاكرة السودان الحية وراوي سيرته الكبرى

أعلام سودانية | البروفيسور يوسف فضل حسن (1932 – 2021)
إعداد: تاج الأصفياء عثمان
تقديم: منصة أقلام سودانية
في سجلّ النهضة الفكرية بالسودان، تتلألأ أسماء صنعت للمعرفة جذورًا وللتاريخ ملامح، ويقف البروفيسور يوسف فضل حسن في طليعتها؛ مؤرخًا وباحثًا ومحققًا، وأستاذًا كرّس عمره لردم الفجوات بين الماضي والحاضر، وفتح آفاق المستقبل أمام أجيال من الباحثين.
هو الرجل الذي جعل من التاريخ السوداني علمًا قائمًا على الدقة والتحقيق، لا على الرواية العابرة.
النشأة والبدايات
وُلد يوسف فضل في الخرطوم عام 1932، في بيئة تقدّر العلم وتحترم المعرفة. بدأ مسيرته الدراسية بمدارس العاصمة، ثم التحق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم، وتخرج عام 1956، قبل أن يشد الرحال إلى بريطانيا، حيث حصل على الدكتوراه من جامعة لندن عام 1960. كانت أطروحته عن دور الفونج في تاريخ السودان الإسلامي بمثابة فتح جديد في الدراسات السودانية، وظلت مرجعًا أكاديميًا لعقود.
المسار الأكاديمي وبناء المؤسسات
عاد إلى جامعة الخرطوم أستاذًا للتاريخ، ثم رئيسًا للقسم، قبل أن يضع بصمته الكبرى عام 1972 بتأسيس مركز الدراسات السودانية، الذي جمع بين توثيق التراث، وتأهيل جيل جديد على أسس البحث العلمي الرصين.
تحوّل المركز إلى منارة علمية، احتضنت أبحاثًا ومؤتمرات عن سلطنة الفونج، والدولة المهدية، والطرق الصوفية، وفتحت جسور التواصل بين الباحثين السودانيين ونظرائهم في العالم العربي والإسلامي.
إلى جانب ذلك، كان عضوًا بارزًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وتولى إدارة جامعة الخرطوم في مرحلة مفصلية، حافظ خلالها على استقلاليتها الأكاديمية.
إسهاماته العلمية والتحقيق
اتسم إنتاجه العلمي بدقة المنهج، واعتماده على المصادر الأولى، وحرصه على أن يكون التاريخ نصًا حيًا لا مجرد سرد جامد. من أبرز أعماله وتحقيقاته:
طبقات ود ضيف الله (تحقيق علمي)
تاريخ الفونج في السودان
موسوعة تاريخ السودان
دراسات متخصصة عن المهدية، وسلاطين دارفور، والحركة الصوفية
كتب بالعربية والإنجليزية، وأعاد تقديم السودان للعالم بوصفه جزءًا أصيلًا من التاريخين العربي والإسلامي.
التكريم والإرث
نال جوائز تقديرية محلية ودولية، واحتفى به طلابه وزملاؤه في حياته، كما أطلقت الجامعات والمراكز البحثية اسمه على قاعاتها بعد رحيله في 2021.
بقيت مؤلفاته مرجعًا لا غنى عنه، وأفكاره مصدر إلهام لكل من يسعى لتوثيق هوية السودان وحفظ ذاكرته.
الرحيل والخلود
رحل الجسد، لكن بقي الفكر حيًا، ينطق في صفحات الكتب وفي عقول تلاميذه، الذين واصلوا حمل شعلة البحث التاريخي.
يوسف فضل لم يكن مؤرخًا فحسب؛ كان معلمًا للوعي، ومهندسًا لجسور بين أزمنة السودان، وضميرًا أكاديميًا لا يساوم على الحقيقة.
هنا، نحيي إرثه، ونقف إجلالًا لرجل علّمنا أن قراءة التاريخ ليست ترفًا، بل وعيًا بالهوية، وفهمًا لجذور الحاضر، واستشرافًا لملامح المستقبل.
منصة أقلام سودانية
سلسلة | أعلام سودانية
14 أغسطس 2025م











