بابكر عيسى يكتب : نخشى أن تنفصل دارفور
بقلم/ بابكر عيسى أحمد
حذرت في ذات المساحة منذ سنوات من مخاطر المخطط الصهيوني الذي أعده “برنارد لويس” القاضي بتقسيم العالمين العربي والإسلامي إلى دويلات ومن بينها السودان إلى خمسة اجزاء وأعد خرطاً تفصيلية تبدأ بباكستان وتنتهي بالمغرب وتشمل كل الدول العربية بلا استثناء … وهو ذات المخطط الذي تسعى الصهيونية الدولية إلى ترجمته على أرض الواقع عبر ذراعها الاستيطاني اسرائيل الذي زرعته في قلب الأمة العربية والإسلامية … وهو ذات المخطط الذي يتبناه الارهابي بنيامين نتنياهو بدعم أمريكي مكشوف ومفضوح نكاد نرى خطواته الأولى في العراق وسوريا واليمن ولبنان والسودان وليبيا … و “الحبل على الجرار”.
في ذات المساحة حذرت أيضاً من “مثلث حمدي” المنسوب للراحل عبدالرحيم حمدي أول وزير مالية في الحكومة الإسلامية 1989 والذي يشير بمنتهى الوضوح والصراحة إلى تحديد دنقلا في شمال السودان وسنار في الوسط وكردفان كنواة للدولة الإسلامية المنشودة … قبل أن يجف مداد هذا المخطط كان جنوب السودان الذي يمثل ثلث مساحة الوطن قد ذهب مع الريح من خلال محادثات نيفاشا وانفصال مديريات الجنوب الثلاث -الإستوائية وأعالي النيل وبحر الغزال- في عام 2011.
بعد الإعلان عن تشكيل الحكومة الموازية في نيالا بغرب السودان أخيراً في مواجهة حكومة (الامر الواقع) ببورتسودان عاد من جديد شبح التقسيم حيث أعلنت الحركة الإسلامية صراحة أنها لا تمانع في أن يذهب اقليم دارفور بولايته الخمس بمعنى أن ينفصل عن السودان الوطن الذي كانت تبلغ مساحته المائة مليون ميل مربع بإعتباره الأكبر عربياً وأفريقياً.
خلال الأيام القليلة الماضية اتيحت لي الفرصة للإطلاع على وثيقتين في غاية الأهمية … الأولى كاتبها “سليمان ديار” -وهو من أبناء قبيلة الزغاوة- تحت عنوان “صحوة ضمير … اعترافات أحد مخططي أحداث دارفور” والذي سرد بالتفصيل في مذكرة تقع في 15 صفحة كل الجرائم التي وقعت لأهل دارفور منذ 31 عاماً وبالتحديد منذ العام 1973 … وهو العام الذي تم الإتفاق فيه على رؤية لقبيلة الزغاوة كرد فعل “لحرب الجنيق” بين المحاميد والزغاوة شمال كتم عام 1967 و 1968 وتم حلها عبر مؤتمر كتم مشيراً إلى أن مخططي ذلك البرنامج حينها “سليمان مصطفى” وممثل الطلاب “علي شمار” وممثل التجار التقليديين “ادم يعقوب” حيث تم الإتفاق بين المثقفين على أن تكون لقبيلة الزغاوة تاريخ وسطوة وقوة ليس في دارفور فقط بل في تشاد أيضاً … ولتحقيق هذه الأهداف تم الاتفاق في العام 1982 على تكوين ثلاثة صناديق “حربي” و “اقتصادي” و “تعليمي” لتحقيق المنعة الإقتصادية والعلمية والعسكرية وهذا ما بدأ عام 1983 ووصل أوجهه العام 1986 … ولأن المساحة لا تكفي لذكر كافة التفاصيل سأكتفي بهذا القدر مشيراً إلى توبة “سليمان يار” من هذا المخطط ويسأل الصفح والغفران من كل أهل السودان.
الوثيقة الثانية أصدرها الحزب الشيوعي السوداني جاءت تحت عنوان “دارفور … وضع النقاط على الحروف” لكاتبها “سليمان حاج حامد” الذي يشير في ذات الوثيقة إلى أن “الجبهة القومية الإسلامية” هي التي تتحمل مسؤولية كافة المآسي الإنسانية الراهنة في دارفور … كما تناولت الوثيقة دور عراب النظام الإسلامي الراحل الدكتور حسن الترابي والفتوى التي أصدرها في العام 1992 والتي تكشف مخططات الحركة ودورها في “مشروع الحزام الأمني العربي الإسلامي” وتكوين ميليشيا الجنجويد (الدعم السريع) في عهد حكومة الإنقاذ التي رأسها عمر البشير لمدة 30 عاماً.
نخشى نحن أبناء الشعب السوداني أن نصحوا ذات صباح لنجد أن دارفور مثلما حدث لجنوب السودان ليست جزءاً من خريطة السودان وهذا ما نرفضه لأننا نؤمن بوحدة التراب السوداني وبقاء الوطن مترابطاً وقوياً وشامخاً مهما كانت التحديات وهذا لن يتحقق في ظل الواقع الراهن والحرب العبثية الدائرة والتي تأثر بها انسان السودان أكثر من أطراف النزاع -الجيش السوداني وقوات الدعم السريع- ونعلم جميعاً أن الصراع في دارفور يعتبر واحد من أطول وأعقد النزاعات في السودان ولا يزال مستمراً بتعقيداته السياسية والعسكرية والقبلية ومر بتحولات كثيرة منذ اندلاعه عام 2003.
المآلات المحتملة للصراع في دارفور اصبحت أولاً التقسيم أو التشرذم، ثانياً العودة الى مسار التفاوض والسلام اخيراً تكرار دورة العنف والنزوح في ظل غياب الدولة وانهار مؤسسات الأمن وعودة أعمال العنف والنزوح مما ينتج عنه كارثة انسانية طويلة الأمد … وفي حال استمرار تدهور الوضع الإنساني والأمني قد تطالب منظمات دولية بتدخل أكبر مثل قوات حفظ السلام جديدة أو وصاية انسانية.
قلبي على وطني الذي نراه يتمزق بين أيدينا دون أن نملك القدرة والجسارة على انقاذه من هذا المصير البائس والبندقية لن تكون هي الحل ولابد من نزع السلاح ومعالجة جذور الفقر والنزاعات وبناء دولة قوية وعادلة وتنفيذ مصالحة مجتمعية حقيقية تنتشل الوطن من وهدة السقوط في بحر النسيان.
في ظل التقاطعات الدولية الحادة، وتباين الرؤى بين القوى الوطنية السودانية وعجز النخب عن الوصول لحلول وطنية وعلو صوت دعاة استمرار الحرب دون مراعاة لعذابات الملايين في المخيمات وبلاد المهجر … وإحكام العسكر سطوتهم على السلطة ستبقى قضية السودان بحق وحقيقة قضية منسية.






