آراء ومقالات

جعفر عباس يكتب: إلى الجبل أم الجحيم؟

(أنا صايع منذ كذا يوم ولهذا غبت عنكم)

ونحن في جزيرة بينانغ في ماليزيا، انتبهت إلى مشاجرة بين شخصين، وكان أحدهما يتكلم اللغة العربيزية، أي الإنجليزية بإعراب اللغة العربية، والآخر سائق سيارة تاكسي صيني يتكلم لغة أهل البلد الهجين. واقتربت منهما قليلاً وأدركت أن هناك سوء تفاهم بسبب حاجز اللغة، فقررت التدخل ومحاولة فض الاشتباك مع نية الانحياز للطرف العربي لتخوفي من أنه في حال تطور الخلاف إلى اشتباك بالأيدي، فإن الصيني يحتمل أن يجيد التيكواندو أو الكاراتيه، في حين أن العربي ربما لا يعرف حتى الكركديه.

كان الشجار في تلك المرحلة في حدود النعوت: “يو آر ستيوبِد” (أنت غبي).. “يو آر كريزي”، فاقتربت منهما وحييت العربيزي بالعربية فانشرح أساريره ورد على التحية بأفضل منها، وبنية لعب دور الوسيط المحايد سألت سائق التاكسي الصيني عن سبب المشاجرة، فقال إن العربي أوقف سيارته وقال له “قو تو هيل” (أي اذهب إلى الجحيم لأن هيل هي الجحيم). فقلت له: “يو قو تو هيل” go to hell (اذهب أنت إلى الجحيم). فسألت العربي: هل بينك وبين الرجل ثأر قديم؟ لماذا قلت له أن يذهب إلى “هيل”؟ فكان رده: لأنني أريد أن أذهب إلى ال”هيل”!! فسألته بالمناسبة: هل ذهبت إلى تايلند المجاورة؟ فقال إنه أتى منها قبل يوم واحد، فقلت له: أكيد ستروح هيل، وفي نفس الوقت أدركت أن صاحبي العربي لا يمكن أن يريد الذهاب فعلاً إلى هيل، وبعد استجواب قصير، عرفت أنه يريد أن يزور بينانغ هِل بكسر الهاء hill، وهو جبل صغير تتم زيارته بقطار يتحرك رأسياً إلى الأعلى، فانفجرت ضاحكاً وقلت للصيني إن سوء التفاهم نجم عن الالتباس في نطق الكلمة التي تعني “تل أو جبل صغير” وهي “هِل”، و”هيل” التي تعني الجحيم، فانفجر الرجل بدوره ضاحكاً وتصافح الطرفان واتفقا على التوجه نحو ال”هيل”، وشكرني العربي وصاح: “لازم تزور تايلند لأنها حلوة جداً.”

بعدها قلت لزوجتي: بالمناسبة تايلند تبعد من حيث نحن نحو ساعتين، فما رأيك أن نتوجه إليها؟ فتطاير الشرر من عينيها، ثم حدث الانفجار: “تزور تايلند يا قليل الحياء، وما تختشي وتقترح الأمر على زوجتك ومعك البنتين؟” فقلت لها: أنا لم أقل لك نذهب إلى “هيل” بل تايلند، وهكذا جئت أكحلها ف”أعمَيْتها”، فقد واصلت المدام قذف الحمم البركانية: “تايلند؟ يا مراهق ومخرِّف؟ يا صايع يا ضايع في الزمن بدل الضائع؟” عندها تذكرت أن سوء السمعة يلازم السياحة في تايلند، فقررت الدفاع عن “شرفي” وقلت لها: في كل بلد هناك السيء والطيب، وبالإمكان أن نزور تايلند للاستمتاع بجمال الطبيعة وشواطئ البحر، وجئت أكحلها فأعميتها مجدداً، لأنها صاحت: “شواطئ البحر حيث الكاسيات العاريات؟” قررت الاستدراك دون الاعتراف بالهزيمة وقلت لها: يا بنت الناس، من الممكن أن يزور لاس فيغاس التي تُسمى عاصمة الخطيئة شخص عابد حسن التدين دون الوقوع في الخطيئة، فصاحت: “لا يمكن أن يكون زائر لاس فيغاس حسن التدين لأن في كل متر مربع فيها غانية فاجر، وتعتبر من ترتدي ملابس تغطي ركبتيها ‘متخلفة’، فكيف يمكن أن تغض البصر ما لم تضع عصابة على عينيك؟”

عندها اقتنعت بأن جعفر ابن المعلم الزناتي انهزم يا رجالة بكل اللغات، وقلت لها: لتذهب تايلند إلى “هيل”، ودعونا نتوجه فوراً إلى بينانغ “هِل”.

(هاتوا ما عندكم من حكايات سوء التفاهم بسبب حاجز اللغة)

زر الذهاب إلى الأعلى