
الخرطوم – شبكة_الخبر – في مدينة أنهكها الغياب وتحديات الحرب والخريف، يولد من بين الأنقاض ضوءٌ جديد.. ضوء يفتحه شباب الخرطوم بأيديهم، ومبادراتهم، وإصرارهم على أن الخرطوم لا تموت.
مع بداية موسم الأمطار، وحلول خريف يُنذر بأضرار جسيمة، لم تنتظر الخرطوم تدخّل الدولة وحدها، بل تحرّكت شوارعها بهمّة شبابها. أكثر من 300 شاب وشابة خرجوا ضمن مبادرة “هيا نعمر”، يزيلون الركام، ينظّفون الطرقات، ويضيئون الشوارع بطاقة الشمس، وكأنهم يزرعون الحياة في أرض أنهكتها السيول والدمار.
من شارع المطار حتى شارع محمد نجيب، انتشرت المبادرات المجتمعية كأمطار الخير، لا تهطل من السماء بل تنهض من الأرض، من قلوب أناسٍ قرروا ألّا ينهزموا. السكان في “العمارات شمال” أطلقوا برنامجاً طموحاً لتنظيف الشارع وإنارته بالكامل بالطاقة الشمسية، مع إزالة هياكل السيارات المهجورة ومخلفات الحرب التي خنقت الأرصفة والأنفاس معًا.
وفي عمق الحراك، أعلنت لجنة الإسناد المدني بالمقاومة الشعبية عن استعداد أكثر من 40 معسكرًا من المتطوعين، لنشر فرقهم وسط الأحياء المتأثرة، في معركة إنسانية ضد الطين والمياه، تمامًا كما واجهوا من قبل الرصاص والانقطاع والحصار.
ولم تخلُ الجهود من العمل الفني والتقني، حيث عرض المهندس محمد طه، مدير مصارف الولاية، خططًا فنية لمعالجة المصارف المختنقة، والبوابات المهددة بالفيضان، بينما شددت لجنة طوارئ الخريف على تصريف المياه من مناطق الاختناق كـ”عفراء” و”المنشية” و”الساحة الخضراء”، ومعالجة التعديات والمخلفات التي تعيق التدفق.
أما هيئة النظافة، فقد رفعت راية التحدي، مؤكدة أنها ستعمل بلا هوادة لتأمين الأسواق، ودور العبادة، ومناطق الخدمات، في تناغم واضح مع نبض الشارع، ضمن برنامج أوسع لـتهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى قلب العاصمة.
“لسنا ضحايا المطر.. نحن صانعو الضوء”
هذا ما يمكن قراءته في أعين المتطوعين وهم يكنسون الشوارع، يشعلون المصابيح الشمسية، وينزعون الأعشاب الضارة من حول المدارس والمراكز الصحية. لا حديث عن انتظار، ولا وقت للندب، بل عزيمة تُبنى بها المدن وتُكتب بها ملامح النهوض من قلب الأزمة.
هكذا تنهض الخرطوم.. على أكتاف من يحبونها.











