أخبارسلايدرسياسي

ندوة علمية تكشف المخاطر الخفية وراء دمج الري والزراعة

الخرطوم – 3 أغسطس 2025 – في توقيت حساس تتزايد فيه التحديات المائية والسياسية في السودان، نظّمت رابطة خريجي معهد دلفت للمياه – السودان، مساء السبت، ندوة علمية إسفيرية تحت عنوان: “دمج مهام واختصاصات وزارة الري والموارد المائية في وزارة الزراعة – الإيجابيات والسلبيات”، شارك فيها أكثر من 118 من الخبراء والمهتمين، وامتدت لنحو ثلاث ساعات من الحوار المعمّق حول مستقبل إدارة المياه في السودان.

ملف المياه في مهب القرارات الإدارية

هدفت الندوة إلى مناقشة الأبعاد الفنية والإستراتيجية والسيادية لقرار الدمج الذي اتخذته الحكومة مؤخرًا، مع تسليط الضوء على تجربة وزارة الري العريقة التي يعود تاريخها إلى أكثر من قرن، ودورها المحوري في ملفات حيوية مثل مفاوضات سد النهضة وإدارة مياه النيل.

أدار الجلسة الدكتور خالد النور علي حسب الله، وشهدت الندوة مداخلات رفيعة من شخصيات أكاديمية وإدارية مرموقة، اتسمت بالعمق والتحليل بعيدًا عن التسييس.

تحذيرات من تقويض الأمن المائي والسيادة الوطنية

البروفيسور ياسر عباس محمد علي، وزير الري الأسبق، قدّم مداخلة مفصّلة تناولت تعقيدات إدارة المياه، محذرًا من أن الدمج قد يؤدي إلى إرباك في التنسيق الفني ويُضعف الكفاءة المؤسسية، مؤكدًا أن “المياه ليست مجرد مورد، بل قضية سيادة واستقرار وطني”.

من جانبه، تناول الدكتور عبد اللطيف أحمد عجيمي، وزير الزراعة الأسبق، تجارب السودان السابقة في دمج الوزارات، معتبرًا أن غياب الرؤية المؤسسية أدى إلى فشل تلك المحاولات، داعيًا إلى مراجعة شاملة للتجربة.

وأكد الدكتور عبد الجبار حسين عثمان، وزير الدولة الأسبق بوزارة الزراعة، أن الإصلاح المؤسسي لا يعني الدمج، بل يتطلب بناء مؤسسات مستقلة وقوية تنسق دون تداخل في الاختصاصات.

كما أشار الدكتور عبد الدافع فضل الله علي، الخبير في الاقتصاد الزراعي وحوكمة المؤسسات، إلى أن “الدمج قد يُضعف كفاءة تخصيص الموارد، بينما يمكن للتكامل الاستراتيجي المنظّم أن يحقق التنسيق دون المساس بالاستقلال المؤسسي”.

نداءات سيادية وتحذيرات من العواقب الإقليمية

في مداخلة بارزة، أوضحت السفيرة أحلام عبد الجليل أبو زيد، الخبيرة في التحكيم الدولي والأمن الإقليمي، أن فقدان وزارة مستقلة للموارد المائية يُضعف موقف السودان التفاوضي في القضايا الإقليمية، لا سيما في ظل النزاعات العابرة للحدود.

أما الأستاذ إبراهيم شقلاوي، المستشار الإعلامي والخبير في قضايا المياه، فقد شدد على أن وجود وزارة مستقلة للمياه ضرورة وطنية وليست مجرد مطلب فني، مشيرًا إلى أهمية تبني خطاب إعلامي استراتيجي يخدم القضايا السيادية.

كما شارك في الندوة عدد من المعقبين، من أبرزهم الدكتور عمر مرزوق، محافظ مشروع الجزيرة السابق، الذي قدّم رأيًا مخالفًا، معتبرًا أن الدمج لا يشكل عائقًا في حال وجود إدارة متكاملة، إلا أن هذا الرأي لم يحظ بتأييد واسع بين المشاركين.

أبرز مخرجات الندوة:

1. ضرورة الإبقاء على وزارة مستقلة ومتخصصة للموارد المائية والري كخيار سيادي واستراتيجي.

2. غياب وزارة الري يُضعف الأمن المائي القومي والمكانة الفنية للسودان إقليميًا.

3. إنشاء مجلس أعلى للمياه لتنسيق السياسات الوطنية بين قطاعات المياه والزراعة والطاقة والبيئة.

4. فصل مفاهيم الإصلاح عن الدمج، فالمطلوب هو بناء مؤسسات فعالة لا تداخل إداري.

5. التوصية بإلغاء قرار الدمج الحالي وإعادة فصل وزارة الري فورًا.

6. إذا اقتضى الأمر تقليص عدد الوزارات، فدمج الزراعة مع الثروة الحيوانية هو الأنسب.

7. الدعوة إلى التركيز على استعادة الخدمات الأساسية في ظل الحرب بدل الانشغال بالهياكل الإدارية.

8. أي قرارات هيكلية مستقبلية يجب أن تستند إلى دراسات علمية وتجارب مقارنة وفي بيئة مستقرة.

العلم فوق السياسة

أكد منظمو الندوة أن الهدف من هذا اللقاء العلمي هو دعم صُنّاع القرار بالمعلومات والتحليلات الموضوعية بعيدًا عن الأجندات السياسية أو الحزبية، مشددين على أن ملف المياه يُعد من أخطر الملفات السيادية التي يجب ألا تخضع للتجريب أو القرارات غير المدروسة، خصوصًا في ظل الحرب وتعقيدات الإقليم.

زر الذهاب إلى الأعلى