تقارير وتحقيقاتسلايدر

من أضواء الإعلام إلى مقشة التنظيف.. سقوط مدوٍ لصوت سوداني نسائي في المنفى!

ترجمة- شبكة_الخبر – في زمنٍ كان صوتها يصدح عبر أثير الخرطوم، وتحاور به القادة والرؤساء، تحولت مايا قدير، أول مذيعة سودانية ناطقة بالإنجليزية، إلى لاجئة مجهولة تمتهن التنظيف في شوارع لندن. قصة مايا ليست مجرد رحلة نزوح، بل مأساة صوتٍ أُسكت، وهويةٍ تلاشت بين صراعات الحرب وأروقة البيروقراطية. كيف يُمحى مجد إعلامي بأدوات الغربة واللجوء؟ وما الذي تبقى من قصة امرأة شكلت وجدان مجتمعها؟

صوت السودان الذي خفت

في صباح رمضاني من أبريل 2023، كان صوت الانفجار العنيف يعلن بداية النهاية لحياة مايا كما عرفتها. في شقتها بالطابق الثامن وسط الخرطوم، تحولت أصوات الحرب إلى سجان كتم أنفاسها، وجعلها تشعر أنها في قفص لا مفر منه. بين نيران المعارك وقذائف الفوضى، كانت الأمانة الكبرى على عاتقها: ابنها المصاب بالشلل الدماغي، الذي لم يكن بإمكانه التحرك إلا على كرسي متحرك.

من الميكروفون إلى المكنسة

لم تكن مجرد مذيعة تنقل أخباراً أو تقدّم فعاليات، بل كانت صوت النساء والشباب، جسر أمل يربط بين التقاليد والطموحات الحديثة. استضافت رؤساء دول وشاركت في احتفالات الاستقلال التي شاهده العالم بأسره، لكنها اليوم، في ذلك الشتاء البارد، كانت تقاوم أن تُنسى وسط موجة لجوء لا تميز بين شهير ومجهول.

لاجئة بلا هوية.. ولا صوت

رحلة مايا من الخرطوم إلى لندن لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل سقوط مرير لهويتها الإعلامية. في بلاد الغربة، لا أحد يسأل عن صوتها السابق، ولا عن ماضيها الذي يزخر بالإنجازات. الأوراق والبطاقات الرسمية تصفها بـ”لاجئة”، لكن مايا ترى أن هذا اللقب يختزل معاناتها ويغيب كينونتها الحقيقية.

تعمل اليوم في تنظيف المنازل، في مهمة بعيدة كل البعد عن أضواء الاستوديو، تحاول أن تؤمن لابنها حياة كريمة وسط مشاعر الاغتراب والحنين. رغم ذلك، ترفض أن يُنسى صوتها، أو أن تُحشر في زاوية الألم والتشريد. تصر على أن تحيا بحزنها، لكنها لا تسمح له بأن ينتصر.

قصة مايا قدير تفتح نافذة على واقع ملايين السودانيين الذين تمزقت حياتهم بفعل الحرب، وتكشف كيف يمكن للصراعات أن تسحق ليس فقط البشر، بل أصواتهم وهوياتهم. هي ليست مجرد قصة مذيعة تحولت إلى عاملة نظافة، بل حكاية صوتٍ فقد ألقه، وهوية تنتظر الاعتراف.

زر الذهاب إلى الأعلى