مصعب رشاش يكتب : عن قضية فلسطين و القضايا المشابهة
مصعب الريح رشاش
Rushash72@gmail.com
إن القضية الفلسطينية أكثر تعقيداً مما ترويه لنا القنوات الفضائية التي تلهث كاميراتها وراء الأحداث و لا تغوص في ما وراء الأحداث . و فهم خلفيات القضية الفلسطينية و تعقيداتها قد يسهم في فهم و تفسير كثير من القضايا و المشكلات في الجزء الأكثر سخونة و توتراً في العالم الذي شاءت إرادة المولى أن نكون جزء منه . و لذلك دعونا فيما يلي من سطور نستعرض أهم المحطات التاريخية في رحلة محنة الشعب الفلسطيني .
بدأت حركة التحرير الفلسطينية ( فتح ) نشاطها سراً في خمسينيات القرن الماضي بيد أنها أعلنت عن تأسيسها رسمياً في عام 1965 معلنة انطلاق الكفاح المسلح ضد إسرائيل . و كان على رأس مؤسسيها السيد ياسر عرفات ( أبو عمار ) , خليل الوزير ( أبو جهاد ) , صلاح خلف ( أبو اياد ) وخالد الحسن . و قد أصبحت الحركة ممثل الشعب الفلسطيني المعترف به أمام العالم . و وجدت تأييداً و دعماَ دولياً من كل الأحرار و داعمي النضال و دعاة العدالة في العالم . و بذلك قادت فتح الكفاح و قدمت التضحيات لعقود طويلة .
غير أنه فيما بعد تشكلت فصائل موازية لحركة فتح بلغ عددها نحواً من عشرين فصيلاً . ففي العام 1987 تأسست حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) ممثلة لجماعة الإخوان المسلمين بقيادة الشيخ أحمد يس و عبد العزيز الرنتيسي و الزهار . و تكونت فصائل أخرى أبرزها الجهاد الإسلامي , لجان المقاومة الشعبية, كتائب شهداء الأقصى , جماعة أنصار الإسلام , حركة المجاهدين , الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( ماركسية ) , الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين , حزب الشعب الفلسطيني , جبهة النضال الشعبي , جبهة التحرير الفلسطينية , الإتحاد الديمقراطي , جبهة التحرير العربية , الصاعقة , طلائع التحرير الشعبية و فصائل أخرى لا مجال لحصرها الآن .
في العام 1993 تم اتفاق في أوسلو بين اسرائيل و منظمة التحرير الفلسطينية تلاه اتفاق القاهرة في العام التالي 1994 الذي حدد نقل السلطات من الاحتلال الأسرائيلي إلى السلطة الفلسطينية في حدود الضفة الغربية و قطاع غزة . و أصبح ياسر عرفات أول رئيس للسلطة الفلسطينية . و كانت مدة سريان ذلك الاتفاق خمس سنوات يتم خلالها الوصول إلى اتفاق نهائي . و ذلك ما لم يحدث حتى يوم الناس هذا لاشتداد الخلافات الداخلية بين الفصائل و تلكؤ اسرائيل و المجتمع الدولي . و كانت أبرز نتائج تلك الخلافات تشكيل حركة حماس لسلطة خاصة بها في قطاع غزة .و بذلك صارت في فلسطين سلطتان وطنيتان .
النزاع الداخلي بين الفصائل الفلسطينية أدى إلى تحويل القضية الفلسطينية من قضية احتلال غاشم تهم كل أصحاب الضمائر الحية في العالم , إلى صراع آيديلوجي و صراع نفوذ باتت تتدخل فيه القوى الخارجية و الإقليمية بشكل مختلف عما مضى . فبعد أن كان المحيط الاقليمي و الدولي يتعامل مع كيان فلسطيني واحد في مواجهة كيان اسرائيلي مغتصب , باتت الدول و التكتلات الدولية تتعامل مع الفصيل الفلسطيني الذي يوافق ايديلوجيتها و ترى أن رؤيته للقضية تمثل رؤيتها .
الآن يقوم الاتحاد الأوربي , الولايات المتحدة , مصر , الإمارات و السعودية و الأردن بدعم السلطة الفلسطينية ( حركة فتح ) . بينما تدعم إيران , قطر و تركيا سلطة حماس في قطاع غزة . و هناك دولاً تقف إلى جانب فصائل أخرى و تدعمها بطرق مختلفة . و على ضوء ذلك لم يعد الاهتمام ينصب حول حل القضية الفلسطينية الأساسية في مواجهة الاحتلال الصهيوني و إنما باتت فلسطين ميداناُ لصراع دولي مفتوح . و يمكن تلخيص تداعيات هذا الوضع المعقد و الذي تعيشه دول عديدة في الإقليم بحسب ما أرى في نقاط يمكن أن تشكل إطاراً مرجعياً للوصول إلى حلول للمشكلات الحالية و تفادي الإنزلاق إلى أحوال مشابهة في المستقبل :
أولاً : التوافق الداخلي هو أكبر ضمانات تجاوز التوترات الوطنية و الوصول إلى حلول للمشكلات الداخلية . و استمرار الصراع الداخلي يولد فراغ . و الطبيعة لا تعرف الفراغ الأمر الذي يجتذب التدخل الخارجي الذي يأتي بمسوغات مختلفة . فعندما تعقدت الأمور في سوريا أدخلت كل من روسيا , أمريكا , إيران و تركيا قوات عسكرية إلى داخل الأراضي السورية و باتت كل قوة عسكرية تؤازر الفصيل المتحالف معها .
ثانياً : عندما تتدهور الأوضاع الداخلية للدول و تحدث انقسامات سايسية عميقة و نزاعات مسلحة , تتسابق الدول ذات النفوذ و الإمكانيات إلى التدخل من أجل فرض رؤيتها الخاصة حول الحل و دعم الكيانات المحلية التي ترى أنها تدعم تلك الرؤية . و يحدث ذلك ليس حباً في الدولة التي تتدخل في شأنها و ليس من أجل عيون شعبها . و إنما الهدف الإستراتيجي من ذلك هو تحقيق مصالحها بعيدة المدى و حماية أمنها القومي .
ثالثاً : التدخل الخارجي غالباً لا يحدث من أجل مصالح اقتصادية مباشرة أو من أجل الموارد الاقتصادية التي تتمتع بها الدولة المستهدفة . و إنما تتسابق الدول للتدخل و دعم أصدقائها بداخل الدولة التي تعيش الأزمة حتى لا تسبقها دولة أخرى تتمكن من التدخل و تفرض نظاماً سياسياً ترى أنه يمثل تهديداً لأمنها القومي و مصالحها في الإقليم . و الدليل على ذلك ما شهدناه من صراع دولي في دول تعد من أفقر دول العالم مثل افغانستان , الصومال , اليمن و فلسطين نفسها . و روسيا مثلاً و هي أغني دولة في العالم من حيث الموارد الطبيعية ( تبلغ قيمة مواردها الطبيعية 75 تريليون دولار ) اضطرت لغزو أوكرانيا ليس طمعاً في مصلحة اقتصادية و إنما من أجل حماية أمنها القومي من اقتراب حلف النيتو من حدودها .
رابعاً : الدول ذات الأجندة المختلفة التي تتدخل في شئون الدول التي تعاني صراعاً داخلياً تميل إلى إدارة صراعها مع منافسيها عبر وكلائها . و هي لا تتصادم مع بعضها البعض بل العكس من ذلك قد يكون بينها مصالح مشتركة أكبر من تلك التي تتصارع عليها في دولة الأزمة . و هذا ما يطيل أمد الصراع الداخلي و يجعله نزاعاً طويل الأمد قد يمتد إلى عقود و الخاسر الأوحد حينها هو الدولة محل الصراع .
خامساً : المجتمع الدولي و المؤسسات الدولية عادةً تتعاطى مع صراع النفوذ الذي ينشأ هكذا ببرود و طول بال و تنظر إليه كأمر واقع لسبب بسيط . و هو أن التدخل في شؤون الآخرين سنة قديمة و سلوك بشري لا تردعه إلا القوة . و القوة الكافية لا تتوفر للدولة التي يستنزف الصراع الداخلي طاقتها . و لذلك قال المؤرخ العظيم ول ديورانت ( فاعلم أن الدولة هي سلام في الداخل استعداداً للحرب في الخارج ) .





