آراء ومقالات

خالد سعد يكتب : الأمريكان وشأن السودان

بقلم: خالد سعد

من العوامل الخارجية الأساسية التي أنقذت السودان من الانهيار الكامل خلال هذه الحرب، تناقض المصالح الإقليمية والدولية.

وهذا التناقض هو نفسه التحدي الرئيسي الذي يواجه الولايات المتحدة الأمريكية في محاولتها التدخل لإيقاف الحرب، إذ تواجه واشنطن تباينا حادا ونادرا بين حلفائها بشأن السودان.

ومن أجل تحقيق مصالحها في المنطقة، فإن الولايات المتحدة تبدو مضطرة إلى الموازنة بين جهتين، الأولى، حليفتها الإمارات التي تشكل الأساس الإقليمي في (الاتفاق الإبراهيمي)، والثانية، مصر الحليف التاريخي منذ كامب ديفيد، والسعودية الحليف الصاعد بقوة للعب أدوار إقليمية ودولية أكثر تأثيرا من أي وقت مضى.

بالطبع، الفاعل الداخلي الرئيسي هو تماسك الجيش كمؤسسة رمزية لبقاء الدولة نفسها، وهو أيضا العنصر المتفق عليه من جميع الدول الفاعلة، بما فيها الإمارات التي تناور لكنها تدرك أيضا أهمية وجود جيش الدولة، فغياب هذه المؤسسة الرسمية يتسبب بشكل مباشر في تدمير أي مصلحة محتملة على المدى القريب والمتوسط، ولا أحد يتصور، حتى في أسوأ السيناريوهات، إمكانية استبدال الجيش بمليشيات، وكافة التجارب في هذا الصدد مثل العراق وليبيا، أظهرت فشل هذا التوجه، وتظل الفكرة السائدة هي الاصلاح العسكري والسياسي للجيش الوطني أو الهيكلة التي تختلف هنا عن فكرة الاستبدال الكامل أو الحل الجذري.

يقترح تحليل محدث أعدته الصحافية السودانية أريج الحاج، توسيع الرباعية التي ضمت قطر وبريطانيا، بإضافة الاتحاد الإفريقي لإنهاء الحرب في السودان، ويرى التحليل أن الولايات المتحدة يمكن أن تبذل جهودا لتحقيق توازن بين رؤى الدول الست بشأن السودان، وإدارة هذا التوازن عبر إشراك النرويج وتعزيز دور قطر كوسطاء موثوقين لدى الأمريكيين.

ويعتقد بأن تحليلات أريج، التي تنشر في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تشكل جزءا من استراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية تجاه السودان، لكنني لا أتفق مع هذا الاستنتاج، فالمعهد يقدم المساعدة في اتخاذ القرار عبر تحليلات جديرة بالاعتبار، لأنها غالبا ما تعتمد على مصادر قوية في الدبلوماسية، لكنها لا تمثل بالضرورة الاستراتيجية الأمريكية، التي تبنى على محددات ثابتة لكنها مرنة في التكتيكات، وتتفاعل مع مجموعة متنوعة من تقديرات الموقف، ومن مراكز بحثية متعددة، ومن اتصالات بينية، ومعلومات سرية مصدرها أجهزة الاستخبارات، إضافة إلى تعويل أكبر على نصائح خبراء أمريكيين سبق لهم العمل في المناطق المستهدفة بالسياسات. لذلك، فإن تحليلات معهد واشنطن ربما تسهم في الإحاطة بجوانب القضايا الخارجية، لكنها ليست المرجعية الوحيدة والحاسمة في بناء الاستراتيجية الأمريكية.

كذلك، لا أتفق مع الرؤية القائلة بوجود خطة أمريكية(حاليا) لتقسيم السودان ضمن ما يعرف بـمشروع (الشرق الأوسط الجديد)، وأرى أن هذا المشروع يتعلق بإعادة هيكلة الدولة المركزية في عدد من الدول المستهدفة، ومن بينها السودان، وهو تفسيري للمفهوم المرافق والمعروف بإسم (الفوضى الخلاقة)، وأن التقسيم ليس من بين سياسات الولايات المتحدة حيال السودان حاليا، وأستند في ذلك إلى تجربة مهمة ومؤثرة، وهي انفصال جنوب السودان، حيث ما تزال واشنطن منزعجة من المآلات لهذا الانفصال على مصالحها في المنطقة، وأتذكر أن دبلوماسية أمريكية عملت في جوبا قد عبرت ضمنيا عن هذا الموقف السلبي خلال لقاء جمعنا بها ضمن وفد صحافي زار الولايات المتحدة في عهد الرئيس أوباما.

وعلى ما يبدو، فقد تمت إعادة هذه الدبلوماسية من جوبا إلى وزارة الخارجية في واشنطن، بعد فشل البعثة التي قادتها في التنبؤ بالحرب التي اندلعت بعد فترة قصيرة من إعلان الدولة الوليدة.

المهم أن الأمريكيين شعروا بخيبة أمل كبيرة، ولريما لم يرغبوا في الانفصال أصلا، وأن سياستهم المتبعة حتى الآن تجاه السودان تقوم على الضغط على مركز السلطة للاستجابة لمتطلبات مصالحهم في المنطقة ومصالح الحلفاء بالداخل أو المحيط، وأن مسألة التقسيم تعد مضرة بهذه الاستراتيجية، من زاوية هشاشة الكيانات المتوقع نشأتها نتيجة هذا التقسيم، وضعف قدرتها على بناء دول متماسكة ومتعاونة مع الهيمنة الأمريكية وهذه المصالح.

لذلك، نلاحظ عدم حماسة الولايات المتحدة الأمريكية للحكومة التي أنشأها الدعم السريع وحلفاؤه، حيث تعتبرها كيانا غير قادر على إنشاء دولة بسبب تبايناته السياسية، اضافة للتباينات داخل مكونات إقليم دارفور، وكل الأقاليم بالنظر إلى نشأتها الاستعمارية، تواجه صعوبة في سيطرة قوة واحدة أو تحالف مهيمن على كامل حدود الجغرافيا السياسية والبيئة الأمنية.

ورغم استبعادي لوجود خطة أمريكية واضحة في الراهن لتنفيذ تقسيم السودان، فإن خيار التقسيم لا يمكن تجاهله كاحتمال يعبر عنه سلوك بعض الفاعلين المحليين وتوجهاتهم السياسية التي تجد في الحرب وتداعياتها مناسبة لتحرك هذا الخيار إلى الصدارة، غير أن هذا التوجه، رغم ما يجده من زخم داخلي، لا يبدو محل ترحيب واسع من الأطراف الدولية، التي تدرك بأن قيام دويلات صغيرة وهشة في واقع مضطرب وهش كحالتنا، يشكل خطرا أكبر على مصالحها من وجود دولة ضعيفة ولكن قابلة للسيطرة أو التنسيق، فالمعيار الحاسم في الموقف الدولي ليس وحدة السودان أو تفككه بحد ذاته، بل مدى قابلية الكيان الناتج سواء كان موحدا أو مقسما، للخضوع للضبط والتحكم، ومدى استجابته للمصالح الدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى