مواد سامة، تشوهات خلقية، ومحميات تتحول إلى صحراء
تغطية – شبكة_الخبر – في مؤتمر صحفي استثنائي، نظمه تجمع الأجسام المطلبية بمقر تجمع المهنيين السودانيين، كُشفت حقائق صادمة عن تدهور بيئي متسارع ينهش جسد السودان من جبال النوبة إلى محمية الدندر، ومن حقول النفط في غرب كردفان إلى ضفاف نهر العطشان. المتحدثون وصفوا المشهد بأنه قنبلة موقوتة تهدد الحياة بكل أشكالها، في ظل فساد مستشرٍ وصمت رسمي خانق.
الأستاذ أحمد مختار البيت أضاء على ما وصفه بـ”الإبادة البيئية” في جبال النوبة، حيث تستخدم شركات تعدين عشوائي مواد كيميائية شديدة السمية، مثل السيانيد والزئبق، دون أي شكل من أشكال الرقابة. النتيجة كانت كارثية: أكثر من 1500 حالة تشوه خلقي، ونفوق واسع النطاق للماشية، وتلوث خطير للمياه الجوفية والسطحية. ورغم فداحة الكارثة، تواصل الجهات الرسمية تجاهلها المتعمد، بل تعرقل حتى الشكاوى القضائية.
أما الأستاذ عمر جلال الدين المنصور، فقدم صورة قاتمة عن الوضع داخل محمية الدندر، مؤكدًا أنها تُنهب من الداخل والخارج. تغول السلطات السابقة والأنشطة التجارية الجائرة دمّرت الغطاء النباتي، وشرّدت الحيوانات، وتسببت في تحولات مناخية مقلقة. الأدهى من ذلك، هو التوسع الزراعي الإثيوبي داخل حدود المحمية، مصحوبًا بتسجيل حالات اختطاف لمواطنين سودانيين، ما يُعد تفريطًا صريحًا في السيادة البيئية والوطنية.
المنصور انتقل إلى الحديث عن سد العطشان، واصفًا إياه بأنه نموذج فجّ للعبث البيئي والفساد الإداري. أنشئ السد في منطقة لا تعاني من العطش أصلًا، مما أدى إلى ارتفاع مناسيب المياه وحدوث فيضانات مدمرة قضت على الزراعة في ضفتي نهر الدندر. السد، الذي لا يبعد سوى ثلاثة كيلومترات عن نهر وترعة رئيسية، تعرّض لانهيارات متكررة، مخلفًا عزلة وغرقًا موسميًا للسكان.
من جانبها، رسمت الأستاذة هويدا عبد الرحمن صورة مأساوية لجنوب ولاية غرب كردفان، واصفة إياها بـ”الكارثة الصامتة”. التنقيب عن النفط حوّل القرى إلى مناطق ملوثة وموبوءة. مياه ملوثة، تربة منهكة، غازات سامة، وإشعاعات متسربة. والنتيجة: انتشار الأمراض المستعصية، وانعدام شبه تام للأطفال في بعض القرى، وسط غياب تام لأي مشاريع تنموية. الثروة البترولية تحولت إلى لعنة بدلًا من أن تكون مصدرًا للحياة.
وخلص المؤتمر إلى أن ما يجري من تدمير بيئي ليس نتيجة إهمال عارض، بل نتاج مباشر لسياسات استبدادية فاسدة جعلت البيئة آخر أولويات الدولة، وفتحت الباب واسعًا أمام الجشع والانتهاك. ودعا المتحدثون إلى محاسبة كل المتورطين في تلويث الأرض وقتل الإنسان، وإلى إعادة النظر في سياسات التعدين، والسدود، والنفط، مع إشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرارات المصيرية المرتبطة بحياتهم وبيئتهم.
كان المؤتمر بمثابة جرس إنذار مدوٍّ، يُطلق صرخة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من موارد هذا الوطن المنهك، قبل أن تتحول جغرافيا السودان إلى أطلال مسمومة.











