آراء ومقالات

بابكر عيسى يكتب : هل مات الضمير العالمي؟

الأحد ، 27 يوليو 2025

بقلم/ بابكر عيسى أحمد 

طرح علي سعادة السفير السوداني السابق الدبلوماسي العريق أحمد دياب السؤال الآتي “هل مات الضمير العالمي بعد انهيار المعسكر الإشتراكي” … كان سؤالاً كبيراً ومعقداً ومتشعباً، حاولت جاهداً أن أجد إجابة مقنعة في عالم متسارع الخطى عشنا بعض محطاته في ستينيات وسبعينات القرن الماضي وتابعنا “البحلقة” والنظر في مرحلة ما بعد الألفية الثانية حيث تلاحقت الأحداث بصورة فاجعة حتى أصبحت العدالة الدولية وحقوق الإنسان مجرد أكاذيب كبرى يتم المتاجرة بها وتسويقها بالخداع وقوة السلاح لدول العالم الثالث والدول النامية بالترغيب والترهيب حتى بتنا نعيش واقعاً مسكوناً بالتعاسة واليتم والشقاء … عالم أحادي القطب.

رغم تضحيات جسورة في العديد من بقاع العالم بدأت بفيتنام والصين وجنوب أفريقيا وكوبا وافغانستان ومثلت إشراقات مسكونة بالعذاب إضافه إلى تضحيات أمريكا اللاتينية فإن عالم العدالة والتعايش والحرية بات بعيداً عن متناول الكثيرين وخاصة في أفريقيا وأماكن بعيدة في القارة الأسيوية … لم يكن الشرق الأدنى أو ما تعارفنا على تسميته بالشرق الأوسط لم يكن بعيداً عن المحنة والمأساة التي ظل يروج لها “اليانكي” الأمريكي بسطوة المال والسلاح والهيمنة.

في ظل ما نراه ونعايشه في “غزة العزة” وأماكن اخرى كثيرة تأكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك أو الريبه “موت الضمير العالمي” بعد أن هيمنت اللوبيات الصهيونية على عواصم القرار في لندن وباريس وبرلين وروما وقبل ذلك في واشنطن التي أصبحت صاحبه القرار.

اسرائيل تسيدت العالم فهي التي تأمر فتطاع وتمارس كل البلطجة السياسية والعسكرية في محيطها الإقليمي العربي والإسلامي محمية بالفيتو الأمريكي في مجلس الأمن الدولي وحولت منظمة الأمم المتحدة إلى مجرد هيكل أنيق بلا جدوى وبلا فعالية، أصبح العالم عارياً رغم الأصوات التي تعالت مطالبة بنظام عالمي جديد يكون أكثر عدالة وانصافاً للضحايا فإن تلك الأصوات تصتدم بجدار الغطرسة والغرور وسطوة القوة حتى اصبحت القرارات الدوليه لا قيمة لها في عالم تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل.

نعود إلى اسباب انهيار المعسكر الإشتراكي الذي تصدره الإتحاد السوفيتي سابقاً وروسيا الإتحادية حالياً … بدأ هذا الإنهيار عام 1991 نتيجة تفاعل معقد لعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وايدولوجية داخلية وخارجية … وفي صدارة هذه العوامل العامل الإقتصادي حيث كان الإقتصاد السوفيتي قائماً على التخطيط المركزي مما أدى إلى ضعف الإنتاجية وقلة الإبتكار إضافة إلى نقص السلع الأساسية والطوابير الطويلة والفساد الواسع الذي جعل حياة المواطنين صعبة … إلى جانب سباق التسلح مع الولايات المتحدة الذي استنزف الميزانية.

بعد عهد الرئيس يلسين “الرئيس المخمور” جاءت الإصلاحات الفاشلة ” الفلاسنوست والبيريسترويكا” في عهد ميخائيل غورباتشوف (1985 – 1991) لإعادة الهيكلة واعتماد الشفافية، فشلت الأولى في تحسين الإقتصاد فيما سمحت الثانية بحرية التعبير ما كشف الفساد وأطلق العنان للإنتقادات القومية.

مع ضعف النظام السياسي وفقدان الشرعية والفشل في تلبية طموحات الناس تزايدت المطالب بالإستقلال داخل جمهوريات الإتحاد خاصة البلطيق وأوكرانيا وجورجيا … كان الإتحاد السوفيتي يضم 15 جمهورية قومية وبدأت هذه القوميات تطالب بالإستقلال وفشلت موسكو في السيطرة على هذه الحركات أو تقديم بدائل مرضية.

كارثة “تشير نوبيل 1986” كشفت عن فشل الإدارة السوفيتية ونقص الشفافية وأدت إلى فقدان ثقة المواطن العادي بالنظام إضافة إلى أن التداخلات العسكرية كانت مكلفة خاصة الحرب في افغانستان (1979-1989) التي استزفت الموارد البشرية والمالية وخلفت سخطاً شعبياً وظهرت بوصفها “فيتنام السوفيتية”.

سياسة الإحتواء التي قادتها الولايات المتحد] ودعمها لحركات مقاومة الشيوعية أضعف النظام السوفيتي وزادت عزلته بعد الضغوط الإقتصادية والسياسية والعسكرية التي فرضها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان … انقلاب اغسطس 1991 الفاشل أدى إلى تسريع استقلال الجمهوريات المتبقية، وبحلول ديسمبر 1991 أعلن ميخائيل غورباتشوف حل الإتحاد السوفيتي رسمياً وانفصلت الجمهوريات لتشكل دول مستقلة أبرزها روسيا وأوكرانيا وكازاخستان.

حكاية انهيار المعسكر الإشتراكي وموت الضمير العالمي تحتاج صفحات وصفحات قد لا تتسع لها هذه المساحة ولكنها تجربة عميقة على العالم أن يستوعبها ويتعلم منها فالهيمنة والتسلط والأحادية لم تنبع من فراغ.

زر الذهاب إلى الأعلى