سلايدرمنوعات وفنون

في حضرة الفكر والفن والأدب: طلحة جبريل في “كتارا”

الدوحة ـ ممدوح أبارو – في أمسية عبقة بالمعرفة والحنين، التأم جمعٌ من عشّاق الفكر والأدب مساء السبت 26 يوليو، في فضاء “الحي الثقافي – كتارا”، حيث استضافت الكاتب والصحفي البارز الدكتور طلحة جبريل، في لقاء حواري استثنائي، نظمته مجموعة “لقاء – الفكر والفن والأدب”، وقدّمت فقراته المهندسة سارة عووضة، فيما تولّى إدارة الحوار الكاتب ممدوح أبارو.

استُهِلّت الجلسة بعرض فيلم توثيقي جسّد مسيرة الضيف، وعلاقاته الفكرية والوجدانية برموز الثقافة السودانية، وعلى رأسهم الروائي الطيب صالح، والشاعر محمد مفتاح الفيتوري. وشارك في العمل التوثيقي عدد من المبدعين: مصطفى الحاج بصوته الراوي، ورانية قدّور عبر تمثيل حواري فنيّ، وتقوى عبد الله بإلقاء شعري رفيع، أما التصميم والمونتاج فقد أبدعه كمال السر.

الصحافة بين التنوير والتعتيم

في المحور الأول، أضاء طلحة جبريل على تحوّلات المشهد الإعلامي، مؤكداً أن الصحافة الحقيقية ليست سوى مرآة للوعي، وأنها إن تحوّلت إلى أداة تعتيم، فقدت جوهرها الأخلاقي. تناول أشكال الصحافة بين الورقي والرقمي، واستعرض أثر وسائل التواصل على بنية الخطاب الإعلامي العربي.

النخب السودانية بين إرث المدرسة وعبء اللحظة

وفي المحور الثاني، قدّم جبريل تشخيصاً دقيقاً لوضع النخب السودانية، متتبعاً نشأتها في ظل النموذج الإنجليزي ذي النزعة التجريبية، ومقارناً ذلك بالعقليتين الألمانية التأملية، والفرنسية الثقافية. كما تحدّث عن الخلط المفاهيمي بين “الهوية” و”المواطنة”، موضحاً أن الأولى شعور ذاتي، والثانية انتماء موضوعي إلى التاريخ والجغرافيا.

واستدعى في حديثه مقولة الراحل د. جون قرنق: “الدولة لا تصلي ولا تصوم ولا تحج”. وأردف: “العلمانية ليست كفراً، بل حياداً مؤسسياً تجاه الأديان، وهي الضامن لوحدة الدولة لا مِعول هدمها”.

أمّا الديمقراطية، فأكّد أنها لا تُثمر إلا في تربة مجتمع مدني حي، تعمل فيه الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع كأدوات توازن وضبط، لا مجرد ديكور سياسي.

كما وجّه نقداً عميقاً لمركزية الماضي في الوعي السوداني، قائلاً إن تمجيد “السلف الصالح” و”الزعماء الذين لا يُمسّون” يعيقنا عن فهم التاريخ، لا سيما حين يُوظَّف كأداة لتجميد الحاضر.

وفي السياق ذاته، حذّر من رهان النخب على العسكر كلّما فشلت الأحزاب، موضحاً أن ذلك “المنطق” لم يصنع يوماً دولة مؤسسات، بل عزّز منطق القوة على حساب الشرعية، مضيفاً: “عشنا في ظل الحكم العسكري ما يقارب 58 سنة، بينما لم تزد سنوات الديمقراطية على 11 عاماً فقط”.

المجتمع المدني.. آخر قلاع الصمود

أما المحور الثالث، فقد خُصّص للمجتمع المدني، حيث وصفه د. جبريل بأنه “النسيج الحيّ الذي لم يُغمد سلاحه في وجه العتمة”، رغم الحروب والمحن، معتبراً أن ما يجري في السودان ليس حرباً أهلية، بل “حرباً بالوكالة” بين مليشيات ومؤسسة عسكرية تقيم تحالفاتها على حساب الوطن.

وحذّر من واقع يعيش فيه الناس على حافة المجهول، قائلًا: “ليس ثمة ما هو أقسى على شعب من أن يستيقظ كل صباح متسائلاً عن مصيره بقلق وألم.”

خاتمة بنبرة أمل

في ختام الأمسية، شدّد د. طلحة جبريل على أن الديمقراطية تظل الأفق الوحيد الممكن لبناء وطن يسع الجميع، قائلاً:

“لو أن الديمقراطية استمرت في السودان منذ الاستقلال عام 1956، لكان بمقدورنا أن نقدّم نموذجاً فريداً للحكم الديمقراطي في منطقتنا.”

واختُتم اللقاء بنفحات موسيقية أنيقة قدّمها الفنان طارق أبو عبيدة على آلة العود، في أمسية امتزج فيها الفكر بالإبداع، واستعاد فيها الحضور ثقةً بإمكانية الخروج من العتمة.

زر الذهاب إلى الأعلى