آراء ومقالات

مصعب رشاش يكتب : رداُ على د . محمود الرزيقي في شأن فشل حكم الإسلاميين 

مصعب الريح رشاش

Rushash72@gmail.com

كتب صديقي الدكتور ( محمود الرزيقي ) مقالاً رصيناً بعنوان ( لماذا فشل الإسلاميون في السودان و نجح أردوغان ) مقارناً بين تجربة الإسلاميين في السودان و تجربة رجب طيب أردوغان في تركيا . و قد وصف أردوغان بأنه قدم ( علمانية ناعمة تسمح للدين ان يتنفس دون أن يخنق الآخرين ) . و قال بأن ( سر هذا النموذج أنه يقوم على فهم أعمق لروح الإسلام التي تتجلى في مواقف الرسول ص التي تتمثل في احتواء المختلف و تأجيل الصدام لصالح البناء المجتمعي ) .

عادة ما يستشهد اسلاميو السودان بتجربتي مهاتير محمد في ماليزيا و تجربة أردوغان في تركيا و يتخذونهما مثالاً للنجاح و التطور . بيد أنهم يتناسون الإطار العام و السياق الثقافي و الاجتماعي بل و المناخ الدستوري الذي نجحت فيه التجربتان .

أولاً : حزب العدالة و التنمية التركي الذي ينتمي إليه أردوغان وصل إلى السلطة من خلال انتخابات حرة ينظمها ظل دستور علماني يكفل العدالة و الحريات و المساواة للجميع . فلا أردوغان و لا حزبه لهما سلطة تعديل أو الغاء أية مادة من مواد الدستور . فعلمانية الدولة في تركيا لا يستطيع أي شخص مهما كان أن ينعمها أو يخشنها و إنما هي مبدأ دستوري يجعل الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان و المعتقدات . فلا يستطيع أي شخص أو حزب أن يفرض الشريعة الإسلامية على الدولة بل ليس بمقدوره أن يمنع بيع الخمور أو فرض الحجاب أو تغيير المناهج الدراسية أو التحكم بالنشر و الإعلام مثلاً . مهمة أردوغان , كما هي مهمة كل الأحزاب المتنافسة على السلطة , هي مثل مهمة سائق الحافلة . يمكنه التحكم بالدفة و سرعة السير و إختيار خط السير . و لكنه ملزم بالوصول بالركاب إلى الوجهة المحددة . وظيفته تمنحه سلطة الإشراف على صيانة الحافلة , و اختيار كمية الوقود و نوعية الزيوت و قطع الغيار المناسبة . و لكن لا يحق له تغيير الحافلة نفسها و لا تغيير ملكيتها و لا يملك سلطة تغيير وجهة الرحلة أو اختيار الركاب . و البقاء في السلطة محكوم بفترة محددة تجرى بعدها الإنتخابات العامة مرة أخرى .

ثانياً : التقدم الذي أصابته ماليزيا لم يكن انجازاً استثنائيا . بل هو في الواقع جزء من نجاح إقليمي كبير حققته مجموعة ما يسمى بالنمور الآسيوية . و قد بدأت تلك النهضة في ذلك الجزء من العالم منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي . و النمور الآسيوية هي مجموعة دول تختلف فيها الثقافات و المعتقدات و الأديان و الأعراق و اللغات . و قد كانت كوريا الجنوبية و سنغافورة التي انفصلت عن ماليزيا عام 1965 الأكثر تطوراً في مجموعة النمور رغم أنهما الدولتان الأكثر فقراً من حيث الموارد الطبيعية . و سنغافورة بالذات بلغت مصاف دول العالم الأول لأن مؤسسها ( لي كوان يو ) أقامها على أسس العدالة و المساواة لدرجة أنه لم يجعل لغة الماندرين ( اللغة الصينية ) لغة رسمية للبلاد رغم أنه ينحدر من أصول صينية و رغم أن 75 % من السنغافوريين أصلهم صيني . و إنما اعتمد الانجلزيية لغة رسمية للدولة .

و التقدم الاقتصادي الماليزي لا يعزى إلى أغلبية المالاي المسلمة التي بنحدر منها مهاتير محمد بل يعود بالأساس إلى الأقليات البوذية و الهندوسية ذات الأصول الصينية و الهندية الأكثر تأهيلاً و خبرة في مجال و الاستثمار و تطوير الأعمال . و إن كان ثمة انجازاً وطنياً مميزاً لماليزيا و سنغافورة فهو نجاحهما في دمج الأقليات الهندية و الصينية الوافدة و تهيئة بيئة وطنية تحترم التعدد و التنوع و تأسيس دستوراً و قوانين تكفل حرية الأديان و المعتقدات و الثقافات . و هذه النقاط تحديداً تمثل تحدياً جدياً لإسلاميي السودان الذين يسعون إلى فرض نمط ثقافي و نموذج سياسي و دستور لا يقبل التنوع و يقمع الحريات ..

ثالثاُ : بعكس ما ذهب إليه الدكتور محمود الرزيقي فباعتقادي أن الإسلاميين في السودان لم يفشلوا في الحكم و إنما فشلوا في النهوض بالدولة و وضعها في مصاف الدول التي أصابت تقدماً و تطوراً ملموساً . و التطور لا يقاس بالمعايير الكمية و الظواهر البصرية مثل عدد الجسور و لا طول الطرق التي شيدت في عهد الإسلاميين و إنما يجب أن يقاس التطور بمعايير التنمية العالمية مثل الناتج المحلي الإجمالي , نصيب الفرد من الناتج القومي , متوسط دخل الفرد , جودة التعليم و نسبة المتعلمين إلى غير المتعلمين , متوسط الأعمار و نحو ذلك من المعايير العلمية الدولية الدقيقة .

رابعاً : لقد نجح الإسلاميون في الحكم عندما استطاعوا البقاء فيه لثلاثة عقود في ظاهرة باتت نادرة في عالم اليوم . و المثير في الأمر أن أنظمة الحكم الشمولية عادة تنجح في البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة . بيد أن النجاح في البقاء في الحكم يقابله بالضرورة فشل في التنمية و التطور . و المعادلة في غاية البساطة لا تحتاج إلى عبقرية . فتكلفة الحكم الشمولي تكون في العادة باهظة جداً لأن النظام ينفق على بقائه في السلطة أكثر مما ينفق على التنمية و الخدمات و الأنشطة الإنتاجية التي تقود إلى التطوير الإقتصادي .

حملات الإعتقالات , المداهمات , المصادرة , مراقبة و معاقبة المعارضين و محاربة المتمردين , تعدد الأجسام الأمنية و أليات القمع عادة تتطلب إمكانيات كبيرة و موارد هائلة . و بالتالي فإن الصرف غير المحدود على هذه البرامج يحد من قدرة الدولة على الوفاء باستحقاقات التنمية و التطوير . و لا عائد تنموي يرجى من الصرف على آليات الحفاظ على الأنظمة السياسية بينما الصرف على التعليم , الصحة , الزراعة و الطاقة يزيد الإنتاج و ينعش الإقتصاد و يوفر فرص عمل للمواطنين و يحقق الرفاه .

خامساً : الإسلاميون في السودان مثل كل الأحزاب العقائدية في العالم لا يريدون حكماً تحت ظل دستور وطني بكفل العدالة في الفرص و التساوي في المواطنة و يحترم التنوع و الإختلاف . و إنما هم يريدون وراثة الدولة بكل ما فيها . يريدون أن يكون لهم كل السلطات , البرلمان , السلطة التنفيذية , أدوات العنف و آليات انفاذ القانون , القضاء و الإعلام . يريدون أن يكون منهم العمدة , شيخ الحلة , ناظر القبيلة , ناظر المدرسة , رئيس النادي بل و كابتن الفريق , التاجر و السمسار . يريدون السيطرة على النقابات المهنية و الإتحادات , المؤسسات العامة و الخاصة و ما بينهما .

و هذا لعمري يخالف سنة الله في الأرض التي خلقها . فالله تعالى كفل حق الإنتفاع بمنافع الأرض لكل العالمين بالعدل . فالماء ينزل بأرض من يؤمن بالله و من يكفر به . و الأرض تخرج خيرها بقدر جهد و همة من يفلحها أو ينقب في باطنها بدون تمييز . و الله تعالى لا يحبس الرزق عمن عصى و لا يمنح الأوكسجين إلا لمن آمن و اتقى .

و لذلك فإن تكلفة الحكم الأيديلوجي على العموم باهظة . فبما أن الله تعالى خلق الناس مختلفين , فإن المختلفين في الأنظمة العقائدية يجدون أنفسهم إما راضخين أو معارضين أو مهاجرين . و في كل تلك الحالات تفقد الدولة جهد ابداع أبنائها المختلفين . و يأتي الولاء قبل الكفاءة في الأنظمة العقائدية . و هذا يأتي بالطبع على حساب العدالة و غياب العدالة يقتل المنافسة الشريفة و المنافسة الشريف هي القيمة التي تحقق الحصول على الأداء الأفضل و الإنتاجية الأعلى .

سادساً : أنظمة الحكم الأيديلوجية عادة تكثر من بناء المؤسسات غير المنتجة و غير الداعمة للتطوير و التنمية الإقتصادية . بل العكس من ذلك فإن مثل هذه المؤسسات تهدر موارد الدولة و تستنزف مقدراتها . مؤسسات مهمتها الترويج للأيديولجيا االتي يدين بها النظام و التبشير بأطروحاتها الفكرية و التبرير لسلوكها . فلذلك كان من المعتاد أن تجد مؤسسة شبابية حزبية ذات ميزانيات ضخمة يتمتع مديروها من الشباب بموارد هائلة و مستوى رفاهية مبالغ فيه بينما يعاني العلماء و الخبراء في الهيئات البيطرية و مراكز البحوث الزراعية من الفقر و شح الإمكانيات . و مثل هذا السلوك الرسمي المتسلط لا يقدم و لا يبني دولة .

زر الذهاب إلى الأعلى