آراء ومقالات

جعفر عباس بكتب: جيل اللبن بالتمر 

جعفر عباس

أعرف كم أبلغ من العمر بالثانية والدقيقة، ولست بمنكِرٍ لانتمائي إلى جيلي، فأنا مولود في مستشفى الراهبات، والتحقت بروضة سان فرانسيس — (قمنا تاني على اللُّولوة !) — ولا أجد حرجًا في استرجاع ذكريات طفولتي وصباي بتفاصيل قد تبدو وكأنها تنتمي إلى “حضاراتٍ سادت ثم بادت”.

نعم، فأنا من الجيل الذي تربى في بيتٍ كانت تشاركه الماعز والدجاج السكنى. وكان لي إخوة في الرضاعة من السُّخْلات، لأننا كنا نشرب الحليب من ضرع نفس الأم. وكان أهلنا يلبسون “المعزة” التي تدر الحليب بعد الولادة مباشرة “سوتيانًا” يمنع صغارها من شفط اللبن كله. وياما استخدمت أمي حقيبتي المدرسية سوتيانًا لغنمنا! وكانت تلك الحقيبة تُسمى “الخرتاية”، وتصنع عادةً من أكياس المخدّات القديمة.

(أما السوتيان النسائي فكان يُسمى “كَرَكَة”، وكانت النساء يصنعنه بالإبرة والخيط).

نشأنا في بيئة مكتفية ذاتيًا في مجال الطعام، ولم نكن نحتاج إلى سلع مستوردة من خارج المنطقة سوى الزيت والسكر والشاي. وإذا انعدم السكر، كنا نشرب الشاي بالتمر، وهو أمر لا يزال يفعله أهل الخليج إلى اليوم مع القهوة.

أما اليوم، وبعد انشغال الناس بالقيافة والوجاهة الزائفة، لم يعد أهل المدن — وما أدراك ما المدن؟ — يربّون الماعز والدجاج داخل البيوت، ثم يشتكون من ارتفاع أسعار اللبن والبيض والدجاج!

أنا من الجيل الذي كان يجلس في غرفة الدراسة في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وعلى ثقب في الدُّرج وعاء بيضاوي صغير يحوي حبرًا يتم تصنيعه داخل المدرسة. وكانت الكتابة باستخدام “الريشة” وهي عود خشبي رفيع، مثبّت في طرفه قطعة نحاسية ذات سنٍ رفيع به “فَلْجَة” (أي مشقوق)، ويتم غمس الريشة في المحبرة للكتابة. كنا نستخدم قلم الرصاص العادي، ونوعًا آخر منه يُسمى “3H” لمادة الرياضيات الهندسية.

نحن من الجيل الذي كان يقلم أظافره ويبري قلم الرصاص بـ”الموس”، وكان ذلك يتطلب مهارة عالية. كنا نكوي ملابسنا بمكواة يتم تسخين قاعها بالفحم المحشور في جوفها. كنتُ في كوستي أقص شعري عند حلاق “فلاتي” متجول، وداهمه ضابط البلدية مرة وهو يقص شعري تحت شجرة في السوق، فهرب وهو يصيح: “لاقيني جنب حوش مكاوي في المرابيع”!

نحن الجيل السعيد الذي شهد قدوم الطائرة النفاثة وغزو الفضاء، وانتقل من ثلاجات تعمل بالجاز الأبيض إلى تلك التي تعمل بالكهرباء. نحن من رأى التلفزيون وهو بعدُ لم يستوعب كيف يتكلم الراديو ويغني، ثم — و99% من أهلنا لم يتسنَّ لهم التعامل مع الهاتف الأرضي — وصلنا إلى عصر الإنترنت ثم الهواتف الذكية.

نحن جيل البطولات التي أعقبتها خيبات كبرى: جيل صنع ثورات مجيدة ثم أضاعها، جيل تمكّنت قلة منه من تلويث المناخ السياسي في البلاد بانتهازيتها ولصوصيتها، فكانت سوء الخاتمة له، وإرثًا قبيحًا للأجيال الشابة. وها نحن نشهد اليوم الثمار المسمومة للسياسات والممارسات الخرقاء التي فتكت ببلادنا عبر سنوات عمرها كدولة مستقلة.

الله يسامحنا.

زر الذهاب إلى الأعلى