
أمدرمان – الرأي السوداني – في ظهيرة لا تشبه غيرها، وعلى عتبة بيتٍ صامد في قلب أم درمان، وقف رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس الجمعة أمام باب الفنان الكبير أبو عركي البخيت… لا بخطابٍ رسمي، ولا برفقة موكب، بل بقلبٍ يُنصت، ويُقدّر، ويَعرف قيمة الصوت حين يكون ضميرًا للوطن.
ذاك البيت العتيق، حيث استعصم عركي شهور الحرب والحصار، لم يكن مجرد ملاذ، بل مساحة شاسعة للوفاء والذكريات… جدرانه تحفظ أغنيات لم تُسجّل بعد، وأحلاماً ظلّ عركي يرعاها في صمت، بعد أن غيّب الموت رفيقة دربه، عفاف الصادق، التي ما زالت روحها تعطر المكان.
دخل رئيس الوزراء، لا ليتحدث، بل ليُصغي للتاريخ الحيّ، لصوت لا يشيخ، لفنان لم يساوم، ولبيتٍ لم ينهزم.
دخل ليقول بصمتٍ يليق بالمقام: هذا الوطن لا ينسى أبناءه الذين غنّوا حين خافت البنادق، وبقوا حين رحل الجميع.
لم تكن الزيارة مجرد لفتة، بل اعتراف نادر بقيمة الفن حين يكون شجاعة، وبالبيت حين يكون وطناً صغيراً يحمل ملامح الوطن الكبير.
أبو عركي، الذي غنّى “نحن دعاة المحبة”، جلس كما هو دائماً… بسيطًا، صلبًا، مبتسمًا في وجه الحزن، وكأنه يقول: “قد يطول الليل، لكن لا بد للحن أن ينهض”.
أما كامل إدريس، فخرج من البيت وفي عينيه شيء من التأمل العميق… وكأنه سمع أغنية جديدة، لم تُكتب بعد، لكنها تعيش في كل بيت سوداني لا يزال يؤمن بأن الفنّ يرمم ما تكسره السياسة.











