بارود وورود: قصّة حب وصمود في قلب الخرطوم المٌحترقة

عرض ـ شبكة_الخبر
تأخذنا رواية “العودة إلى السودان: بارود وورود” للكاتب السوداني الشاب صلاح الدين محمد الكفيل في رحلة إنسانية مؤثرة وعميقة، تتناول تعقيدات الحرب والحب والبقاء على قيد الحياة في قلب الخرطوم التي مزقتها الصراعات.
حلم بادي ونذير الحرب
تُروى القصة من منظور “بادي”، وهو شاب يعود إلى وطنه مدفوعًا بواجب تجاه أسرته وحبه لـ “وردة”، ليجد نفسه محاصرًا في أتون حرب لم يكن يتوقعها. تبدأ الرواية بلمسة من القدرية، حيث يروي بادي حلمًا مزعجًا راوده قبل ثلاث سنوات عن كارثة وشيكة وهروب جماعي من الخرطوم. هذا الحلم، الذي فسره على أنه نذير حرب، يدفعه إلى اتخاذ قرار عاجل بالعودة من الخليج، على الرغم من التوترات السياسية المتصاعدة التي كانت تبثها القنوات الإخبارية. تتشابك دوافعه الشخصية مع الأحداث الوطنية؛ فهو لا يعود فقط من أجل لم شمل أسرته، بل أيضًا لحل مأزق علاقته بـ “وردة”، التي رفض والداها زواجهما بشكل مفاجئ بعد موافقتهما المبدئية.

حكاية حب في زمن الحرب
عند عودته، يواجه بادي واقعًا متغيرًا في الخرطوم؛ فشوارعها التي كانت يومًا ما رمزًا للتهيئة أصبحت مظلمة. لقاؤه المؤجل والمترقب مع وردة بعد غياب طويل يكشف عن عمق مشاعرهما والتحديات التي تواجههما. يقف حبهما كشعلة أمل هشة في مواجهة رفض عائلتها الغامض والتهديد الوجودي الذي تخبئه الأيام القادمة.
الحصار والرعب: تفاصيل الحياة في الخرطوم
يأتي الفصل السابع بمثابة نقطة تحول مرعبة، حيث تندلع الحرب في ١٥ أبريل.
يصور الكاتب ببراعة لحظة الانفجار الأول، من خلال مكالمة هاتفية بين بادي و وردة. تتحول زقزقة العصافير إلى دوي المدافع، والسماء الزرقاء إلى أعمدة من الدخان. نعيش مع وردة لحظات من الرعب وهي تحاول الهروب من المستشفى الذي أصبح فجأة مكانًا مهجورًا وصامتًا إلا من أصوات القصف، في رحلة محفوفة بالمخاطر للعثور على مأوى آمن.
تغوص الرواية بعد ذلك في تفاصيل الحياة اليومية تحت الحصار. ينقطع الماء والكهرباء، ويتحول البحث عن الخبز والماء إلى صراع يومي يبرز أفضل ما في الإنسانية وأسوأ ما فيها. نشهد تكاتف الجيران، وفي الوقت نفسه، نرى كيف يمكن للظروف القاسية أن تحول الناس إلى وحوش، كما في حادثة المخبز المروعة التي تنتهي بإطلاق النار. الخوف لا يقتصر على القذائف، بل يتعداه إلى الخوف من فقدان الكرامة، خاصة لدى النساء اللاتي حبسن أنفسهن في المنازل خشية الجنود المتمردين.
الشتات والرحيل: عبور بادي نحو مستقبل مجهول
يدفع هذا الواقع المرير عائلة بادي إلى اتخاذ قرار بالنزوح إلى أم درمان، التي تبدو أكثر أمانًا. تصبح رحلتهم عبر نقاط التفتيش التي يقيمها الجيش والمتمردون بمثابة رحلة رمزية عبر سودان منقسم. يواجه بادي حلمه واقعًا عندما يمر بنفق السوق المركزي، مما يؤكد على ثقل الهواجس التي حملها معه. في أم درمان، يجدون ملاذًا مؤقتًا في منزل العائلة الكبير، حيث تتداخل ذكريات الماضي المجيد، ممثلة في الجد الشيخ، مع الحاضر القاتم، وتبرز التوترات العائلية بين الأشقاء في زمن الشتات.
تصل الرواية إلى ذروتها العاطفية عندما تقرر وردة وعائلتها أيضًا مغادرة الخرطوم. مكالمتهما الأخيرة مليئة بالوحدة والحسرة والخوف من مستقبل مجهول. بالنسبة لبادي، رحيل وردة لا يمثل مجرد خسارة شخصية، بل يجسد انهيار عالمه بأكمله. لم يعد الجحيم هو الحرب الخارجية فحسب، بل هو الشعور بالعجز والانتظار في مدينة كانت تحتضر. في النهاية، وبعد صراع داخلي مرير، يقرر بادي المغادرة هو الآخر، ليس هربًا، بل كخطوة حتمية نحو المجهول، مدفوعًا بوعده لوردة بأنهما سيلتقيان مجددًا.
“العودة إلى السودان: بارود وورود” هي أكثر من مجرد قصة عن الحرب؛ إنها تأمل عميق في معنى الوطن، وصمود الحب في وجه الدمار، والبحث عن الإنسانية في أحلك الظروف. إنها رواية تترك القارئ مع أسئلة مؤرقة حول طبيعة الصراع وتأثيره الدائم على الروح البشرية.











