الخرطوم .. مدينة فقدت الذاكرة والبريق: رواية مؤلمة يرويها الصحفي علاء الدين أبو حربة

لم تعد الخرطوم تلك العاصمة التي نعرفها، ولن تعود كما كانت. المدينة التي كانت تعج بالحياة والأمل، باتت اليوم أطلالًا حزينة وركامًا من الألم والخراب. غالبيّة من يروّجون لعودة الحياة إليها، هم أنفسهم بعيدون عنها، يتحدثون عن عودةٍ أشبه بالوهم، فالواقع يقول إن العاصمة السودانية تغيّرت ديموغرافيًا، وتعرضت لعملية تهجير ممنهجة، ستظل آثارها واضحة لعقود قادمة.
الخرطوم اليوم مدينة يخيّم عليها ظلام الجنجويد وفوضى العسكر. بلا كهرباء، بلا مياه، بلا أمن، ولا أدنى مقومات الحياة. المناطق التي شهدت عودة للسكان، هي فقط الأحياء القديمة على أطراف المدينة، أما قلب العاصمة فبات بلا نبض. والذين عادوا يعيشون في ظروف إنسانية قاسية: مستشفيات قليلة وغالية، والدواء أصبح ترفًا، والخبز حلماً، بل إن بعض الناس لا يزالون بلا فطور حتى هذه اللحظة.
لا مدارس، لا دوائر حكومية، لا بنية تحتية، ولا مؤسسات خاصة فاعلة. حتى الشركات تعود بخجل، كأنها تطرق باب الخراب ثم تتراجع. وكل من يخالف هذا الوصف إما يغالط الحقيقة أو يعيش في وهم مريح.
عامان فقط، كانا كافيين لتحويل الخرطوم من عاصمة إلى كومة من الرماد والبؤس. مدينة طغى عليها الحرام والضياع، ازدهر فيها الربا وسوق المسروقات، وتفشى النفاق والرياء، وتغيّرت النفوس، وتبدّل الناس. تلك الخرطوم التي كانت رمزًا للفزع والشهامة، سقطت بين يدي الجنجويد والعسكر، واغتُصبت على مرأى ومسمع من الجميع.
لم تعد الخرطوم مدينة، بل صارت غابة موحشة. كل بيت فيها قصة حزينة، معتقلون، مختفون، أموات بلا قبور، وفوضى بلا نهاية. لا أحد يعرف الحقيقة، وكلٌ يدّعي البطولة في تحريرها، بينما هي لا تزال أسيرة، مكبلة بقيود السلاح والظلم والانفلات.
الخرطوم اليوم كومة قمامة وزبالة. بدأ خريفها المعتاد، وجاء معه الباعوض، وارتفعت المخاوف من تفشي الأمراض والأوبئة، في غياب تام للدولة والحكومة. المدينة متروكة لقططها ووحوشها البشرية، تنهش ما تبقى من كرامتها، حتى بزّة الجيش وشرف الدولة أضحيا مادةً للعبث والسخرية، ينتهي العرض بارتداء “قونة” وتلاشي المعنى.
حتى إن امتلأت بالسكان مجددًا، فلن تستعيد حنيّتها التي عهدناها. الخرطوم لن تعود الوطن الذي احتوانا، أو المرفأ الذي لجأنا إليه، بل ستعود مأوى لجراح من تبقّى فيها، ومآسي من سيعود إليها لاجئًا من داخل السودان وخارجه. كلٌّ سيعود بمصيبته ليضيفها إلى نهر الأحزان المتدفق في قلب المدينة، ومعها سيعود قاموس القهر والألفاظ القاهرة.
في ظل الفوضى، تتوارد أنباء مؤلمة. عشرات الأطفال فقدوا أرواحهم بسبب جرعة تطعيم، هكذا قيل، ولا تأكيد من وزارة الصحة، ولا نفي. من يُحاسب؟ من يُراقب؟ الخرطوم تعيش بلا سلطة، بلا وجيع.
كل شيء تغيّر. الشوارع، الملامح، الوجوه، حتى الذكريات أصبحت دامية. الحيطان مطلخة بالدماء والجهل. عربات الجيش فقدت هيبتها وتحولت إلى وسائط لنقل الأثاث، والنيل العظيم يئنّ، يشكو الخراب الذي جلبوه.
الخرطوم… لم تعد كما كانت.
ولن تعود كما نحب، ما لم يكن للحق سلاح، وللوطن رجال، وللخرطوم من يبكيها صدقًا، لا نفاقًا.











