آراء ومقالات

عصام حكيم يكتب : دوري النخبة الممتاز : “حضور بمقتضى الظهور”!

عصام حكيم

ربما خسر الملايين من المتابعين والمراقبين – حتى الآن – الرهان على بطولة كروية مدهشة وممتعة، بعد أن خيّبت جولات الأسابيع الأولى من دوري النخبة الكثير من التوقعات، وبدّدت الآمال، وغالطت التمنيات والرجاءات فنيًا، وهي تقترب بوتيرتها التنافسية من عبور حاجز نصف مشوار البطولة، دون مستوى طموح يرقى إلى نهم وعشم جمهور المستديرة المتعطش – محليًا وقوميًا – للزخم والشغف والإثارة.

العنوان الأبرز للنسخة الحالية من الدوري السوداني الممتاز – بتاريخه الطويل الناصع وثقله الكروي الباذخ فنيًا وجماهيريًا – والذي اختُزل هذا العام في روزنامة بطولة دوري النخبة المصغرة بثمانية فرق، كان أشبه بعنوان: “حروف بلا نقاط” و”حضور في سياق ما يقتضيه الظهور”.

“حضرنا ولم نجدكم” – كان هذا توقيعًا تركه الجمهور على المدرجات، وهو يعبّر عن لسان حاله الذي تدافع وزحف نحو المباريات عصرًا ومساءً، ممنّيًا النفس باستعادة أجواء البطولة المحبّبة التي احتُجبت قسرًا، وغيّبتها قواهر الحرب اللعينة.

اجتهد الاتحاد العام لكرة القدم والولاية المستضيفة في تهيئة الظروف الملائمة لتنظيم البطولة بشكل جيد، والإيفاء بالاستحقاق التنافسي لموسم رياضي كان على حافة الفشل، وذلك بالقدر الذي يضمن ويؤمّن حقوق وحظوظ السودان في المشاركات القارية للأندية والمنتخبات. ولذلك، فإن إنقاذ الموسم قبل المواعيد التي حدّدها الكاف لقفل الموسم الرياضي، كان هو التحدي الأكبر في بلد يكابد الأمرّين، ويخطو عليلًا نحو طيّ صفحة الحرب، ويسعى – متحاملًا – إلى استقرار مأمول طال انتظاره، يضمد الجراح، ويتعافى به الوطن والمواطن.

فنيًا، في بطولة دوري النخبة، تلاشى وميض النجوم، وسَطَا على المشهد التوتر والوجوم. حضرت الكثير من الأندية زخمًا، وغابت كاريزماها عن ملامح ظهورها. تبدّد سحر المهارات، وتلاشت فنون جماليات الكرة، وحلّ بدلًا عنها تحديات بلا أداء مرضٍ، ومراهنات بلا إبهار رائع، ومنازلات ومناطحات داوية على الورق ومنصات الميديا بقرون الإداريين، لا بأقدام اللاعبين.

أكثر ما نخشاه أن تُختزل البطولة تنافسيًا في طرفي القمة، وتُختطف فنيًا وكرويًا من الملعب، وتنسحب إداريًا إلى دهاليز الغرف، ويسعى الغريمان ويعتَرِكَا لكسب النقاط بالفهلوة والورق، لا بالكسب والعرق.

توشحت ولاية نهر النيل بكرنفال ألوانٍ باهٍ، وهي تستضيف بطولة النخبة على ملعبي إستادي مدينتي الدامر وعطبرة، وكان الجمهور هو “ملح” البطولة، وهي جديرة بأن تشهد منافسة تليق بطموحه.

لكن، مع ذلك، يبدو أن “تخمة الزخم” التي أصابت نهم الجمهور المتعطّش لوهج المنافسات القومية من خلال أجواء بطولة الدوري التأهيلي، قد عقّدت من حسابات بطولة دوري النخبة، وزادت من تحدياتها، بأن تأتي – على الأقل – بمستوى أرقى ظهورًا، وأرفع قيمة فنية، وأكثر متعة، وأقوى إثارة من بطولة الدوري التأهيلي.

بيد أن المؤشرات وقرائن الأحوال الأولية، تشير إلى أن نقاط المفارقة بين البطولتين – تنظيميًا وفنيًا وجماهيريًا – جاءت في درجة محسوبة، ومتماثلة في المزايا، ومتوازنة في الأبعاد، وغير متباينة أو متفاوتة العلامات، من حيث المقاربة والتمايز النسبي، رغم علو كعب “النخبة” المكتسب بامتياز درجتها.

وإن كان السلوان الوحيد لدوري النخبة الممتاز هو في مشاركة عملاقي قمة الكرة السودانية، الهلال والمريخ، الحاضرين الغائبين، اللذين لم يمنحا المنافسة حتى الآن الثقل الفني المطلوب، من واقع ظهورهما التنافسي المتواضع، دون أن يشفع لهما ما خاضاه من موسم حافل باستحقاق تنافسي شرس في الدوري الموريتاني، وسباق طويل في غمار مشوار بطولة دوري أبطال إفريقيا.

غير أن أقوى المؤشرات التي أبقت على حظوظ نجاح بطولة النخبة في دائرة الإمكان، هو ما سبق وحققته بطولة الدوري التأهيلي من نجاح باهر، بعد أن عبرت كل الحواجز نحو خواتيم بنهاية سعيدة، طمح وتطلّع إليها الجميع، بصدارة ممثل الولاية نادي السهم – الدامر – الذي يُعدّ صعوده وترقيه للدرجة الممتازة في حد ذاته أكبر دافع معزّز لنجاح بطولة دوري النخبة، وأقوى ضامن للتدافع الجماهيري عليها بشهية مفتوحة ومعنويات عالية.

لا سيما وأن المستديرة أنصفت مدينة الدامر بتحقيق أكبر إنجاز لها عبر تاريخها الرياضي الطويل، بحجزها إحدى بطاقات التأهل للممتاز باسم نادي السهم، وهو إنجاز يُحسب أيضًا للولاية وكتلة الشمال بالممتاز، التي استعادت وعوّضت سريعًا مقعدها المفقود باسم نمور دار جعل – النادي الأهلي شندي.

نأمل أن يرتفع إيقاع بطولة دوري النخبة، وتستعيد بريق ما تستحقه من شغف ومتعة وإثارة فيما تبقّى من جولات الأسابيع المتبقية، وإلا فإنها ستكون بطولة للنسيان، وحضورًا وفق مقتضى الظهور، بخيبة أمل كبيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى