الصادق إلياس.. عازف الكلمات في مقام الوجدان السوداني

بورتريه – منوعات – شبكة_الخبر – في ذاكرة الفن السوداني، تومض أسماء قليلة مثل نجمٍ ساري لا تخبو جذوته، ويظل أثرها يتردّد في الصدور، لا في الأسماع فحسب. ومن بين هؤلاء، يبرز اسم الشاعر الصادق إلياس، الذي اختار أن تكون كلماته زادًا للمحبين، وعزاءً للقلوب الموجوعة، ومرايا تعكس نبض الحياة السودانية في صدقها وشهامتها وموروثها العذب.
ولد الصادق إلياس في الجريف غرب عام 1938، بين ضفاف النيل والسهول الممتدة، حيث تنمو المفردة العذبة في حضن الطبيعة، وتتشكل الذائقة على وقع الحكايات والسيرة والمثل الشعبي. التحق بخلوة الفكي علي، حيث قضى سبع سنوات في رحاب القرآن، ثم انتقل إلى الكتّاب، لكنه ترك التعليم النظامي في عامه الرابع، ليشق طريقه بين مهن الحياة، فتعلم النجارة وأتقنها حتى صار من أشهر صنّاعها في المنطقة الصناعية بالخرطوم.
لكن القدر كان يخبئ له قدرًا آخر، فالصادق منذ نعومة أظافره كان مولعًا بالغناء، يلتف حوله الأطفال وهو يشدو بأغنيات الكاشف وعمر أحمد. ومع مرور الزمن، أصبح منولوجست الجريف، يكتب الزجل الشعبي الممزوج بالفكاهة، ويعكس فيه هموم الناس اليومية بلغة مبسطة وساخرة، كما في قوله:
“عربات بتمر ووراها لواري.. وأنا يا ناس ماشي كداري”
لكن روح الشعر كانت تسكنه منذ البدء، وحين ضاقت عليه دروب المنولوج، انعطف قلبه نحو القصيدة الغنائية، فكانت أغنية “رسايل” بوابة عبوره الكبرى إلى قلوب الناس.
التقى الفنان أحمد الجابري صدفة، كما تشتهي القصص الجميلة، في شارع الشنقيطي بأمدرمان. خاطبه بإعجاب وعرّفه بنفسه، فأجابه الجابري بحفاوة ودعاه إلى منزله. وهناك سلّمه الصادق أولى قصائده “رسايل”، فأنصت الجابري بتمعّن، وأدرك من فوره أن بين يديه كنزًا شعريًا. لحّن الأغنية وسجّلها، وكانت المفاجأة أن تشارك الأغنية في برنامج “من الأغنيات الجديدة”، وتحصد المركز الأول مناصفة مع أغنية “وشاية” لإبراهيم عوض، لتدقّ أولى أجراس المجد.
نجاح “رسايل” لم يكن مجرد انتصار غنائي، بل كان “فاتحة خير”، كما قال الصادق، فكتب بعدها “الجريف واللوبيا” و”هاتو الياسمين”، قبل أن يتوقف الجابري عن الغناء لمدة عامين بعد وفاة والدته، تلك التي أحبها كما لم يحب أحد، وغيابها أنهكه حتى كاد يعتزل الغناء. لكن الصادق أعاده بكلمات “حكاية ملام”، فبكى الجابري وهو يقرؤها، وعاد إلى الإذاعة، ليغني من قلب الجرح.
من الجابري إلى ابن البادية، فكل الدروب تؤدي إلى الكلمة الجميلة.
لعبت الصدفة مرة أخرى دور البطولة، حين التقى الشاعر صلاح بن البادية في أحد شوارع بري. قدّم له قصيدة “الباقي باقي”، فانفتح بابٌ جديد من التعاون امتد لعشر أغنيات منها “سكة شوق”، و”المقادير”، و”تعال يا ليل”، وأهداها ابن البادية أحيانًا لمطربين آخرين مثل الأمين عبد الغفار.
وتوسّعت رقعة الأفق، فغنى له عبد العزيز محمد داؤود وسيد خليفة وندى القلعة والطيب عبد الله وخوجلي عثمان وغيرهم، حتى صار من الشعراء القلائل الذين جمعوا بين الأصالة والتجديد. لم تكن قصائده تبحث عن التعقيد، بل تلبس وشاح البساطة الآسرة، بعبارات زاهية من البيئة الريفية: شهامة، تسليم بالقدر، وحكمة تسكن في السطر كما تسكن في المثل.
ولم يكتف الصادق إلياس بالغناء، بل كتب مدائح نبوية وأناشيد وطنية مثل “عوافي للمداين والفيافي”، وغنى له الأطفال “أنا طالبة شاطرة شطارة”، فامتد أثره في كل دربٍ فيه إنشاد أو محبة أو معنى سامٍ.
كتب الصادق إلياس الشعر حين يلح عليه المعنى، لا الوقت، فربما فجأة الإلهام في الحافلة، أو على ظهر بص قديم، ودون في الذاكرة قبل أن يسطر في الورق. وكان، كما وصفه الناس، صاحب “بصمة لا تخطئها الأذن”، وشاعرًا يحمل في قلبه عبق التراب السوداني وروح أهله.
في يوم الثلاثاء 11 يوليو 2023، ترجل فارس القصيدة، وأسلم روحه عن عمر ناهز 75 عامًا، بعد رحلة زاخرة بالعطاء، والمحبة، والكلمات التي ما زالت تنبض في الأثير. رحل الصادق إلياس، لكن صوته ما زال معنا.. في “رسايل”، وفي “حكاية ملام”، وفي كل قصيدة أعادت صياغة العاطفة السودانية بلغة الخبز والماء.
رحم الله شاعر القلوب، وسلام على روحه في عليين.











