صلاح بن البادية.. صوت الصوفية والوجدان السوداني

بورتريه – شبكة_الخبر – في فضاءات الطرب السوداني، يسطع نجم لا يغيب، خطّ اسمه بأحرفٍ من نور على صفحات الوجدان الشعبي، ونسج من صوته جسوراً بين الروح والمقام، وبين العشق والوطن. إنه الفنان الراحل صلاح بن البادية، الصوت الذي خرج من تلافيف أم دوم محمّلاً بعبق التصوف، ليغدو أحد أعمدة الأغنية السودانية الحديثة.
النشأة والبدايات: بين “الطريقة” والطرب
ولد صالح محمد الجيلي عام 1937 في قرية أم دوم، وهي ضاحية عريقة تقع شرق النيل، بولاية الخرطوم. نشأ في كنف أسرة متدينة؛ فوالده كان من شيوخ الطرق الصوفية، ما جعل صلاح مشدوداً منذ صغره إلى المجالس الروحية، وتواشيح المديح النبوي، وأناشيد الذكر.
رغم شغفه بالفن، ظل طويلاً يخفي موهبته عن أسرته، اتقاءً للحرج أو الصدام مع تقاليد البيت الصوفي، حتى قرر الانطلاق إلى العلن عام 1959، حين صعد خشبة المسرح القومي بأم درمان، ليعلن مولد فنان من طراز خاص.
اسم مستعار من الذاكرة
حين التحق بعالم الفن، اختار لنفسه اسم “صلاح بن البادية”، في إشارة إلى نشأته القروية المتجذرة في الأطراف الشرقية للعاصمة، حيث تمتزج البداوة بالحضر، ويحتفظ الناس ببساطتهم وصدقهم وعشقهم للفن الصادق. كان ذلك الاسم المفتاح الأول لعبوره إلى قلوب الناس، يحمل في طياته نغمة محلية دافئة، ويلفّه غموض عذبٌ يجذب السامعين.
صوت يحاكي الروح
تميّز أداء بن البادية بنبرة خاصة، قوامها الحنية، والإحساس العميق، والصدق الخالص. لم يكن مجرد مؤدٍّ لألحان، بل كان صوتًا يحاكي الروح، ونايًا يعزف على أوتار الذاكرة الشعبية. غنى لمحبوبته، لوطنه، وللقرى الصغيرة التي عاش فيها.
من أغنياته الخالدة: “خاتمي العاجب البنوت”, “غنيت للستات”, “الأوصفوك”, و*”الليلة سار يا عشايا”*.
وبين أغنية وأخرى، ظل محافظاً على نبرة روحانية تنبع من جذوره الصوفية، حتى حين غنى عن الهوى، كانت كلماته تحمل طهراً وجمالاً نادراً.
إرثٌ لا يغيب
غادر صلاح بن البادية هذه الدنيا في 17 سبتمبر 2019، بعد رحلة امتدت لأكثر من ستة عقود في محراب الفن. لكنه لم يرحل كغيره، بل بقيت أغنياته تعبر الأزمنة، تنبعث في ليالي الخرطوم القديمة، وتتماهى مع أصوات الرعاة، وجلسات السمر، واحتفالات الزار والمولد.
هو أكثر من مغنٍ، هو ذاكرة صوتية لوطن كامل، وروح ظلت تغني للناس حتى الرمق الأخير.











