آراء ومقالات

خالد سعد يكتب : الأمريكان والسودان

بقلم – خالد سعد

يبدو أن هناك جهودا أمريكية مكثفة تهدف إلى لملمة تداعيات الحرب في السودان.

كما كان متوقعا، لم تتجاهل واشنطن هذه الحرب، على عكس ما توقعه العديد من المحللين، بمن فيهم وزير خارجية سابق.

في الواقع، ظل السودان أولوية أمريكية في المنطقة، وإن لم يكن أولوية قصوى.

لفهم مدى أولوية السودان، علينا أولا النظر إلى أولويات إدارة ترمب الأساسية، التي تمثلت في مواجهة الصين، ثم روسيا، وما يجري في السودان يمثل ميدانا مناسبا لصراع إقليمي، وما جرى في بورتسودان من ضربات بالمسيرات ينقله إلى صراع دولي.

رغم تزايد الانخراط الأمني والاستخباراتي، والحرص على إبقاء المسارات السياسية مفتوحة، يمكن القول إن الإدارة الامريكية كانت تضع السودان ضمن الأولويات ولكن عبر حلفاؤها في المنطقة.

ولطالما تعاملت واشنطن مع الملف السوداني كقضية أمن إقليمي مرتبطة بملفات أوسع، مثل أمن البحر الأحمر، والتهديدات المرتبطة بالميليشيات، لكنها لم تضع تسوية الأزمة السياسية في صميم تحركاتها.

الآن، يشير تكثيف الانتباه الأمريكي نحو السودان إلى احتمال حدوث اختراق في ملف إنهاء الحرب أو ضبطها أو إدارتها بشكل مختلف.

لكن هذا الاحتمال يتوقف على عوامل عديدة، فإدارة ترمب لا تملك وحدها أدوات الحل، لكنها -بحكم الهيمنة- تظل الطرف الأكثر قدرة على التأثير في أطراف الحرب.

وبالتالي يمكن لواشنطن استخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، وكذلك عبر نفوذها على الحلفاء الإقليميين الداعمين للداخل.

ومن خلال تقاطع مصالحها مع الإمارات والسعودية ومصر، تستطيع الولايات المتحدة أن تضع ترتيبات ضغط مشتركة لفرض تهدئة، أو حتى دفع الجيش والدعم السريع نحو تسوية سياسية.

لكن المعضلة تكمن في أن أمريكا لا ترغب، حتى اللحظة، في الظهور كمفاوض مباشر، على عكس دورها الجوهري في اتفاقيات سلام نيفاشا.

لا تزال الولايات المتحدة تفضل العمل من وراء الحلفاء، عبر أدواتها الدبلوماسية والمبعوثين الخاصين، وتشجع إشراك أطراف دولية أخرى كالآلية الرباعية وغيرها من المظلات الإقليمية والدولية.

في تقديري أي تسوية محتملة لن تكون شاملة في المدى القريب، بل جزئية. ستركز هذه التسوية على وقف إطلاق نار هش، يتبعه ترتيب أمني انتقالي قد يفضي إلى تقاسم النفوذ أو إعادة هيكلة المشهد العسكري، والسيناريو الأقرب هو ما يمكن تسميته بـ”تسوية اضطرارية” وليس “تسوية شاملة”، أي حل يفرضه الواقع الكارثي لا الرغبة الوطنية في إنهاء الحرب، وسيكون هذا السيناريو محكوما بتوازن القوى على الأرض.

وإذا استمرت الحرب في إنهاك الطرفين، ستظهر بوادر مرونة، خاصة إذا ترافق ذلك مع ضغوط دولية أقوى، وحوافز اقتصادية مرتبطة بإعادة الإعمار، ورفع العقوبات، والتطبيع السياسي مع المجتمع الدولي.

لذلك، لن تغير المحادثات في واشنطن أو المنامة أو جدة شيئا جوهريا إذا استمر العقل السياسي المتحكم في أسلوبه الحالي.

دعنا نعلق بواقعية، وليس بالأماني، لن يتحقق سلام حقيقي بتفاوض ثنائي، ودون تسوية شاملة، ومشروع تنموي وطني كبير.

ولن يحصل المواطنون على تعويضات فردية عن خسائرهم الفادحة، ولربما يقوم “الرعاة الخليجيون” بتعويض الحكومة الناشئة من اي اافاق (كما فعلت فرنسا لرواندا تحت الطاولة)، وذلك بإخراج فني يدعى “إعادة الإعمار”، وتمويل إعادة الدمج والتسريح، إذا تم ذلك في الفترة الزمنية المتفق عليها.

أي اتفاق ثنائي متوقع سيوقف إطلاق النار ويسود الهدوء مؤقتا، لكنه سيكون هشا وفرص استدامته محل شك كبير، فهو أسلوب مجرب.

ولأن الأمريكيين والرعاة يخططون لاتفاق ثنائي، فإن بعض القوى السياسية والاجتماعية ستكون (مردوفة) كالعادة، وسيتجاهل الاتفاق جذور الأزمة بتعقيداتها، مثل انخراط القوات المسلحة في السياسة بشكل غير مسبوق، وتعرضها لضغوط تهددها كرمز وطني، وأن الدعم السريع، ميليشيا ولو تملص عن المسؤولية أهلها في نظام الإنقاذ، وقد أصبح الآن حزمة من الميليشيات المتفرقة التي يجمعها اليأس.

ما أسوأ اليأس؟!

تشير جولي فلينيت في دراسة تحليلية ميدانية بعنوان: “ما بعد الجنجويد”:

(أناس مصابون باليأس، ثقافتهم حرب وخمر ونساء، معظمهم يشربون ويعرفون المخدرات، لكنهم يعرفون كل شجرة وحفرة ماء وغير مهزومين منذ سنة 2004. إنهم لا يريدون السلام، ويجوبون كل الجهات ليجنوا فوائد من انعدام الأمن. تفكيرهم منصب على أن الحرب إذا استمرت فسيصبح السودان مثل العراق وأفغانستان… وهذا جيد جدا بالنسبة لهم!

حياتنا عدم، فلتكن حياة الآخرين عدما!).

زر الذهاب إلى الأعلى