آراء ومقالات

جعفر عباس يكتب: ذكرى دخولي الورشة للصيانة

جعفر عباس

لمكافحة الجفاف والتصحر والحد من عوامل التعرية، ظللت على مدى عدة سنوات أدخل ورشة طبية للخضوع لفحص طبي روتيني يشمل البنى التحتية (الشاسيه)، وشبكات المجاري والصرف الصحي، والمضخة (الطلمبة) المركزية، والكشافات (العيون)، وأدوات الطحن.

وقبل أربع سنوات وشهرين، أحسست بأن ضربات قلبي نشاز وعالية، وكأن القلب “مزنوق” ويريد أن يقفز خارج صدري، فهرعت إلى المستشفى حيث خضعت لقسطرة القلب والأوعية الدموية. تم خلالها وضع “كركاسة” داخل الشريان التاجي لأن نسبة الانسداد فيه كانت 75%. والكركاسة هي قطعة مطاطية (رقعة) تُحشر في إطار (لستك) السيارة عندما يصاب بثقب كبير، وتسمى في لغة الطب “دعامة”. وتفاديًا لشبهة أن “الدعامة” أنقذت حياتي، أسميتها كركاسة.

قبلها لم تكن لدي سوابق طبية، باستثناء تجربة إجراء عملية بواسير في أبوظبي، وعانيت بعدها لنحو أسبوعين الويل وسهر الليل. وعلى مسؤوليتي، فإن خلع أربعة أضراس عقل في جلسة واحدة بدون بنج كان أخف وطأة وألمًا من ويلات عملية البواسير الجراحية التي خضعت لها.

وبعد أن عدت إلى عملي، عاتبت أصدقائي الإماراتيين لأنهم لم يزوروني في المستشفى أو المنزل، فقال لي أحدهم: “أنت ما تستحي؟ مسوي عملية بواسير وتبي الناس تزورك؟”. وعلمت أن العادة عندهم هي إجراء عمليات البواسير كتامي في دول أجنبية.

ذات مرة، لزمت سرير المستشفى في الدوحة لثلاثة أيام خضعت خلالها لفحوصات شاملة للجهاز الهضمي، وكان أصعب ما في تلك التجربة تناول طعام المستشفى الذي لا طعم له ولا رائحة. ثم تقرر أن أخضع لمنظار للقولون، وقبل موعد المنظار بنحو 12 ساعة، يسقونك سوائل تكنس كل ما دخل بطنك طوال أسبوع.

وفي نحو التاسعة مساءً، دخل عليّ الصديق عبد المجيد طه الحسن حاملًا سندويشين فول بالرغيف البلدي، وهرستهما، ثم واصلت شرب السوائل لكنس الفول. وفي صبيحة اليوم التالي بدأ التنظير، فإذا بالدكتور يصيح: “عجيب! أنبوب المنظار مو قادر يمر إلى التجاويف”، فقام بضخ كميات من الماء والهواء في تلافيف القولون، وكانت فضيحة، فقد كان الفول “عامل ساتر ونقاط ارتكاز هنا وهناك”، وتقرّر إلغاء العملية، وحددوا لها موعدًا آخر، ولكن هيهات… فقد خرجت ولم أعد.

المهم: لا تنزعج إذا كان عزيز لديك سيخضع لقسطرة قلب، فهي إجراء بسيط جدًا يعقبه إما البراءة من الشبهات أو التدخل السريع لاحتواء العلة.

أما استئصال البواسير جراحيًا، فلا تقبل به ما لم يُعطَوك مورفينًا لأسبوعين (سمعت أن هناك طرقًا جديدة غير مؤلمة لهذه العملية).

وفي ظروف شظف العيش والمسغبة في السودان، يشكو نصف السكان من القولون العصبي ويمارسون التداوي الذاتي دون الرجوع إلى الطبيب. ومكمن الخطورة هنا أن هناك أمراض قولون شديدة الخطورة مثل Ulcerative Colitis (القولون التقرحي المزمن) وUlcerative Proctitis (التهاب المستقيم التقرحي)، يُستأصل القولون بالكامل عند استفحالهما، ويُزوّد المصاب بجراب من البلاستيك يكون وعاءً لفضلات الأمعاء.

والبشارة للكوامر والقرقورات موديل “سنة دو”، هي أن قطع الغيار (الإسبيرات) متوفرة لاستبدال العدة القديمة.

شفانا الله وإياكم وبلادنا من العلل.

زر الذهاب إلى الأعلى