ذهبُ بلا وجوه: المُعدِّنون بين أنقاض المناجم وسُخرة الحياة

بينما يتصارع الكبار على عوائد الذهب، ملايين المُعدِّنين يواجهون الموت والتهميش والاستغلال
تقرير: مديحة عبدالله – في الوقت الذي تحتدم فيه النزاعات المسلحة والسياسية في السودان حول موارد الذهب، وتتنافس شركات محلية وأجنبية على امتيازات التعدين، تبقى حياة أكثر من مليوني معدن تقليدي على هامش الاهتمام، غارقة في أتون الخطر والاستغلال وسُخرة العصر الحديث.
أحداث مأساوية، كـ انهيار منجم هويد بين هيا وعطبرة أواخر يونيو الماضي، والذي أسفر عن أكثر من 50 قتيلاً وجريحاً، والتهجير القسري لآلاف المعدنين من منجم “جيمس” بمحلية دلقو، أعادت إلى الواجهة السؤال المؤجل: من يحمي المعدنين؟
الموت في الأعماق… بلا تعويض ولا قانون
تشير تقارير صحفية ووثائق حقوقية إلى وقوع عشرات الحوادث المميتة خلال السنوات الماضية، أبرزها انهيار بئر تنقيب في جنوب كردفان (سبتمبر 2022) أودى بحياة 17 شخصاً، وانهيار آخر في وادي حلفا (أبريل 2023) أسفر عن مقتل 14 معدنًا، في ظل غياب سياسات وقائية أو تعويضات قانونية من الدولة أو الشركات.
ورغم أن قطاع التعدين التقليدي يُنتج ما يقارب 80٪ من الذهب في السودان، وفق إحصاءات 2021، ويشغّل ملايين العاملين في 73 سوقًا، إلا أن قانون تنمية الثروة المعدنية لسنة 2015 لا يتضمن أي بنود صريحة لحماية حقوقهم، بل يجرّم من لا يحملون تصاريح عمل، ما يُحوّل المعدنين إلى “خارجين عن القانون” بدل أن يكونوا شركاء في الإنتاج الوطني.
بيئة عمل قاتلة… ومواد سامة تفتك بالحياة
لا تقتصر معاناة المعدنين على المخاطر الطبيعية، بل تتعمق بسبب الانتهاكات البيئية المرتكبة من بعض الشركات، مثل شركة دلقو للتعدين، المتهمة بتلويث مجاري المياه بالسيانيد، وفق ما أظهرته صور أقمار صناعية، وتحقيقات من “تجمع الأجسام المطلبية”.
أما حياة المُعدِّنين اليومية فهى أشبه بالمعتقلات المفتوحة؛ مساكنهم أكواخ من الجوالات، بلا مرافق صحية أو حماية من الزواحف السامة، بينما تصل أعماق الآبار إلى أكثر من مائة متر، تُحفر وتُستغل في ظروف خطرة، كثيرًا ما تفضي إلى الاختناق أو الموت تحت الردم.
من هم المعدِّنون؟ لماذا لجأوا إلى الذهب؟
يشرح الخبير الاقتصادي محمد صلاح في إفادته لـ(سودانس ريبورترس)، أن أغلب المُعدِّنين تتراوح أعمارهم بين 15 و45 عامًا، ويأتون من خلفيات متنوعة: مزارعون، رعاة، موظفو دولة، عاطلون عن العمل، ومتقاعدون… ينتمون إلى ولايات النزاع والفقر، مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
يقول صلاح: “غالبهم انتقلوا للتعدين بعد فقدان مصادر رزقهم بسبب الحرب أو انهيار الزراعة، فصاروا هدفًا للاستغلال الاقتصادي والاجتماعي والجنسي، خصوصًا الأطفال، الذين يُجبر بعضهم على العمل في ظروف مهينة، في انتهاك صارخ لقانون الطفل (2010)”.
استغلال وعجز عن التنظيم
تفرض طبيعة العمل غير المنظمة، وصيغ التعاقد غير الرسمية، واقعًا مأساويًا. يقول صلاح: “العاملون يتعرضون لابتزاز مالي عبر الجبايات، بينما يحصلون على أقل القليل، ويفتقرون لأي مظلة تنظيمية أو نقابية، نتيجة التشتت الجغرافي، وضعف التمثيل القانوني”.
في هذا المشهد، تتحول بيئة الذهب إلى ساحة للنهب المنظم والاستغلال الصامت، حيث تُجنى المليارات من ظهر المعدنين، الذين يعيشون دون تأمين، ودون حماية، ودون صوت.
ما لم يُوضع المُعدِّنون التقليديون في صدارة السياسات العامة، ويُعترف بهم كعمّال منتجين ذوي حقوق، فإن الذهب سيظل لعنة على حياتهم لا نعمة.
وما لم تُجبر الشركات على احترام المعايير البيئية والإنسانية، فإن أرض المناجم ستظل مقبرة مفتوحة للأمل السوداني.











