آراء ومقالات

جعفر عباس يكتب: أمثال فاشوش وفشنك

جعفر عباس

عندما يتم ضبط موظف حرامي ويُقرَّر إنهاء خدماته، يهتف البعض: “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”، وهذا كلام فارغ يقوم على السجع، لأن فقد العمل ليس أشد وطأة من فقد الحياة. وعندما تجمع بين أكثر من وظيفة لتحسين مستوى معيشتك، يأتيك من يقول: “تجري جري الوحوش غير رزقك ما تحوش”، بينما لو جريت مثل المرسيدس أو النمر أو زحفت مثل السلحفاة، فإنك لن تحوش غير رزقك، ثم يواصل النصح: “اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”؛ وهذه دعوة للتبذير والتخلي عن حسن التدبير. من أين لك أن تدري أن الغيب يخبئ لك مالًا يماثل المال الذي في جيبك وبددته بقلب جامد ودون حساب للمستقبل؟ فهذه ليست دعوة للتوكل بل للتواكل، وكأنما من يرددون هذا المثل يرجمون بالغيب ويعرفون أن تبديد المال يضمن لك “تعويضًا مجزيًا”.

وعند الزواج يسمع العريسان: “منك (العريس) المال ومنها العيال”!! لنفترض أن راتبها يعادل راتبي أو يزيد عليه، فهل يعني ذلك أنها غير ملزمة بالمشاركة في ميزانية البيت، لأن المثل ينص على أن العيال فقط “منها”؟ طيب، ما أنا طرف أساسي في مسألة العيال، وهي لن تأتي بالعيال من بيت أهلها كما فعلت أنا بمالي، وأنكى من ذلك: “تغلبها بالمال وتغلبك بالعيال”؛ هل هو زواج أم دوري أبطال؟ ما المقصود بأن تغلبني بالعيال؟ هل ستشكل فريقًا أو منتخبًا من العيال يلعب ضدي؟

الكثير من الأمثال الشعبية مجرد طرور، والطرور نبتة سميكة الجذع ولكنها جوفاء وعديمة النفع، ولا يجوز استخدام كل الأمثال لتفسير وتبرير مختلف الأفعال فقط لكونها متوارثة عن الأجداد والأسلاف. فعندنا مثل يقول: “اسمع كلام الكبير ولو كان عوير”، وهذه دعوة لإلغاء العقل، بينما نعرف كبارًا من ذوي الشنة والرنة يثبتون بانتظام أنهم قاصرون فكريًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، ولهذا لدينا مثل آخر يقول: “خربانة من كبارها”، وبالتالي لا تسمع كلام الكبير العوير.

في موسوعة الأمثال الشعبية المصرية لأحمد تيمور عثرت على: “حبيبك اللي تحبه ولو كان عبد نوبي”؛ يعني من دخل قلبك يستحق لقب حبيب ولو كان نوبيًّا. لم يقل نوبي حاف، بل جاءت الكلمة مسبوقة بكلمة عبد، ولكن لو وقعت في حبه يبقى أمر الله و*”ماشي”*. ثم، وفي طبعة جديدة للموسوعة، جاءت الصيغة التالية: “حبيبك اللي تحبه ولو كان عبد نوحي”؛ نوبي صارت نوحي، وهي كلمة لا وجود لها في القواميس العامية أو الفصيحة، ولكن من أصدروا تلك الطبعة أدركوا أن المثل بصيغته القديمة جارح لمشاعر النوبيين المصريين، فحاولوا أن يكحلوها فعموها.

ومن يعتبرون الأمثال في مرتبة الأحكام الملزمة يرددون مقولة: “المحافظة على عاداتنا وتقاليدنا”، وبينما الكثير من عاداتنا وتقاليدنا حميدة، فقد ثبت وسيظل يثبت خطأ وخطل الكثير منها: دق الشفاه (الشلوفة)، والشلوخ، وختان البنات من عاداتنا وتقاليدنا، ونفعل السبعة وذمتها بما يخالف صحيح الدين ثم نقول: “العادة غلبت الشريعة”. وشخصيًّا أتلوى من الغيظ عندما أسمع بانتظام مقولة: “من خلى عادته قلّت سعادته”، فهذا كلام لا قيمة له سوى أنه مسجوع. هل ستفشل الزيجات إذا تخلينا عن عادة ترقيص العروس و*”قطع الرحط”*؟ هل ستقل سعادة من يتوقف عن عادة تعاطي البنقو؟ هل سيصاب بالعقم من يرفض الذهاب إلى النيل خلال زفة زواجه؟ ثم خذ: “إن غلبك سدها وسِّع قدها”، يعني إذا فشلت في الخروج من ورطة ورِّط نفسك أكثر. بايظة بايظة.

وانظر إلى المثل القائل: “إذا سرقت اسرق جمل”؛ يعني عندما تخطط لاختلاس، لا تكن رخيصًا وتسرق رواتب موظفين وهميين في مشروع ما، بل اسرق المشروع بكامله!

زر الذهاب إلى الأعلى