رندة المهدي تكتب: استدعاء الصفوة: هل يكون أساتذة الجامعات طوق نجاة لحكومة الانقلاب؟

د. رندة الصادق المهدي
حملت إلينا الأخبار أن رئيس مجلس الوزراء الانتقالي المعين، البروفيسور كامل إدريس، أصدر اليوم القرار رقم (147) لسنة 2025، القاضي بتعيين ثلاثة وزراء وهم: البروفيسور عصمت قرشي عبد الله محمد وزيرًا للزراعة والري، والبروفيسور أحمد مضوي موسى محمد وزيرًا للتعليم العالي والبحث العلمي، والبروفيسور معز عمر بخيت العوض وزيرًا للصحة.
وحيث إن وطننا المكلوم الذي اندلعت فيه حرب الخامس عشر من أبريل 2023 اللعينة، والتي شتّتتنا شتاتًا غلب معه «اللقاط»، وأربكت كامل المشهد السوداني، فلا بد أن ينصبّ همُّ الجميع على التفكير في مآلات الحل وإمكاناته، كالغريق الذي يتعلق بقشة كي ينجو.
في هذا الأمر، سأغضّ الطرف عن الهجمة الإعلامية بين دعاة الحرب ومناهضيها، والذين يركّزون على اتهام المسؤولين الجدد وتصنيفهم: كيزان، قحاطة، وخائنون لديسمبر المجيدة. كما سأغضّ الطرف عن أولئك الذين رحّبوا بهم احتفاءً بشهاداتهم وتأهيلهم الرفيع؛ فالأمر يتجاوز إمكاناتهم العلمية الرفيعة وتخصصاتهم الدقيقة إلى قدراتهم الإدارية وفهمهم للوضع المعقّد!
وسأتغاضى أيضًا عن يقيني بصعوبة نجاح حكومة يقودها البرهان، ويتسنّمها أحد الحالمين بلا رؤية معلنة حتى لتصوّره لوقف الحرب. وبالتغاضي عن كل تلك التغبيشات، أعتقد أن حظوظ الوزراء الثلاثة وضعتهم في مواقف واختبارات جادة أمام الشعب السوداني المطحون، الذي يتطلع حاليًا إلى من يوقف هذه الحرب، ويضع نصب عينيه فقط ما يليه من مسؤولية لإعادة الأمل لهذا الشعب المشتّت، بعيدًا عن جنرالات الحرب وترهات الساسة والسياسة.
وانطلاقًا من ألم عميق وحزن أعمق على ما آلت إليه الأمور، أقول لهؤلاء وأتمنى ألا يغيب عن بال كلٍّ منهم أن تعيينهم في هذا الظرف الصعب، في بلد تشتعل فيه حرب متطاولة بلا أفق للحل، يمثل تحديًا كبيرًا لهم. يجب أن يدركوا تمامًا أن المطلوب منهم كأولوية قصوى هو أن يتحركوا كمديري أزمة، لا صانعي سياسات كبرى، وأن يركّزوا على الحد الأدنى من النجاة والصمود لا على التنمية.
فإنجازات مثل توفير لقاحات للأطفال، أو حل مشكلة مواصلة التعليم، أو استمرار الزراعة في مشاريع الإعاشة بصورة سلسة، هي إنجازات قد تبدو صغيرة في الظروف العادية، لكنها في هذا الظرف تمثل نجاحًا كبيرًا!
ويعتمد نجاح ما يمكن أن يقوم به وزراء الخدمات الأساسية المعيَّنون في المقام الأول على دفعهم في اتجاه وقف القتال الذي لا طائل منه ولا نهاية له. ثم بعد ذلك يعتمد نجاحهم على قدراتهم الإدارية في ترميم الخراب — وليس على تأهيلهم الأكاديمي — وبدء البناء على أسس سليمة وتوقعات واقعية تعتمد على عوامل واضحة لكل وزارة على حدة:
بالنسبة لوزير الزراعة، وفي بلد زراعي كالسودان، سيكون دوره شديد الحساسية في المحافظة على الحد الأدنى من الإنتاج المحلي، والابتعاد عن التفكير في إحداث نهضة زراعية شاملة حاليًا، ومطلوب منه بالدرجة الأولى:
ضمان الأمن الغذائي الأساسي: عبر دعم الإنتاج المحلي في المناطق الآمنة نسبيًا، وتسهيل الزراعة الأسرية والمجتمعية.
دعم صمود المزارعين: بتقديم البذور والأدوات الزراعية للمزارعين النازحين أو المتأثرين بالحرب.
التنسيق مع المنظمات الدولية: لجلب دعم عاجل للقطاع الزراعي.
أما وزير الصحة، فلا بد أن يغيّر من هدف الوزارة في الظروف العادية من تطوير النظام الصحي إلى إدارة الأزمات الصحية الطارئة — وما أكثرها — مثل نقص الأدوية، والأوبئة، وسوء التغذية، وإصابات الحرب. بمعنى أن يعمل على خلق نظام صحي إسعافي يركّز على «الإنقاذ» لا البناء المستدام، وذلك من خلال:
توفير الرعاية الصحية الأولية المتنقلة: عبر وحدات صحية متنقلة أو عيادات في مناطق النزوح.
حماية الطواقم الطبية: وضمان بقائهم داخل البلاد وعدم هجرتهم.
التعاون مع الإغاثة الدولية: لجلب الأدوية، واللقاحات، والمستلزمات الطبية.
أما وزير التعليم العالي، فدوره هو الأصعب والأكثر تعقيدًا في ظروف الحرب، لكن عليه أن يجتهد في حفظ الحد الأدنى من التعليم، لا تطوير البحث العلمي أو توسيع القاعدة الجامعية. ويمكنه العمل على:
استمرار الحد الأدنى من التعليم الجامعي: ولو عبر التعليم الإلكتروني، أو الجامعات المتنقلة، أو في مناطق النزوح.
منع تسرب الطلاب وأعضاء هيئة التدريس: أو التخفيف منه بتقديم حوافز وتشجيع الصمود.
مواءمة البرامج مع الوضع الراهن: بالتركيز على التخصصات المرتبطة بإعادة الإعمار، والصحة العامة، والتنمية الزراعية.
التعاون مع الجامعات في الخارج: لتوفير فرص منح أو تعليم عن بُعد للطلاب المحاصرين.
ختامًا، سيكون أمامكم السؤال الكبير والتحدي الأكبر:
هل تصلح النخب الأكاديمية ما أفسدته السياسة؟
وهل ستنجح العقول في خدمة القوة؟






