آراء ومقالات

مصعب رشاش يكتب : خفض أسعار السلع ,,, الممكن و المستحيل 

مصعب الريح رشاش

Rushash72@gmail.com

في تصريح له قبل أسبوع وعد السيد رئيس الوزراء بتخفيض أسعار السلع الغذائية و خفض الجمارك و ربط مناطق الإنتاج بشبكات من الطرق الحديثة .

لندخل في الموضوع مباشرة و نفند تلك التصريحات :

أولاً : يبدو أن تلك التصريحات تمثل , على أقل تقدير , جزء من برنامج اقتصادي رسمي مطروح الآن . و قد أعلن عنها دولة رئيس الوزراء قبل تشكيل الحكومة , فهل سيكون للوزارات و المفوضيات ذات الصلة إمكانية تبني برامج من بنات أفكارها و وفق رؤيتها الخاصة عندما تتسلم مهامها ؟ أم ستكون ملزمة بالمضي قدماً في تنفيذ البرامج المعدة لها من قبل السيد رئيس الوزراء ؟ . فإذا كانت الوزارات المعنية ملزمة بتنفيذ برنامج رئاسة الوزراء فما الجديد الذي ستضيفه تعيينات الوزراء الجديدة ؟ .

ثانياً : عندما تعلن الحكومة أنها ستخفض أسعار السلع فهذا يعني بالضرورة أن الحكومة هي التي تمتلك و تبيع السلع المقصودة و تتحكم في أسعارها . و هذا بالطبع غير صحيح . فالسلع في أيدي التجار . و أسعار السلع تحددها آليات السوق من عرض و طلب و تكاليف شراء و ترحيل و رسوم و جمارك ( في حالة السلع المستوردة ) و ضرائب ووو إلخ .

و لذلك أعتقد أن الوسيلة العملية الوحيدة أمام الدولة للتحكم في أسعار السلع هي وضع الدولة يدها مرحلياً , على الأقل , على توريد السلع التموينية الأساسية و إحياء مؤسسة التعاون التي دمرت عن قصد في تسعينيات القرن الماضي . و هذه السياسة متبعة في معظم دول العالم النامية حيث يتمتع المواطنون ببطاقات تموين توفر لهم حصص منضبطة من السلع الغذائية الأساسية بأسعار مدعومة بينما تطرح ذات السلع في السوق العام بأسعار مختلفة للأجانب و لمن أراد الزيادة من المواطنين .

ثالثاً : يبدو أن السيد رئيس الوزراء بنى تصوره في خفض أسعار السلع على تخفيض فئات الجمارك . و هنا تبرز معضلتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان على السودان . أولهما أن تخفيض الجمارك يجب أن تصاحبه خطة تعويض فاقد الإيرادات الناتج عن تخفيض الجمارك بمورد جديد ؟ فما هو ذلك المورد التعويضي البديل ؟ . و بما أن الأمر مستعجل فإن رفع الضرائب سيكون أسرع وسيلة لتعويض الفاقد في هذه الحالة . و لكن ,,, المصيبة تكمن في أن رفع الضرائب يصاحبه بالضرورة ارتفاع في تكلفة السلع و الخدمات و بالتالي ارتفاع أسعارها . و هنا ( كأنك يا أبو زيد ما غزيت ) .

رابعاً : صرح رئيس الوزراء بأنهم سيعملون على خفض الجمارك و في ذات الوقت تشييد الطرق لتشجيع و زيادة الإنتاج . و هذان أمران متفقان لدى الحيران متناقضان عند البيان . فالدول عندما تنوي تشجيع الإنتاج الوطني فإنها ترفع الجمارك حتى تصبح تكلفة الاستيراد أعلى من تكلفة الإنتاج المحلي فتعجز السلع المستوردة عن منافسة المنتجات المحلية . و بذلك يتجه المواطنون نحو الإنتاج . و بما أن سلاسل الإنتاج طويلة وتحتاج إلى عمالة كبيرة و متنوعة الخبرات و المهارات بعكس الاستيراد , فإن سياسة الإنتاج ستوفر فرص عمل واسعة للمواطنين . و نتيجة لذلك سيرتفع مستوى دخل الأفراد فينتعش الاقتصاد . و زيادة الإنتاج تعمل استراتيجياً في محورين . أولاً ترفع الناتج المحلي الإجمالي للدولة و بالتالي تضاعف الثروة القومية . و الأمر الثاني هو أن زيادة الإنتاج تزيد من حجم الصادرات . و ارتفاع حجم الصادرات يميل كفة الميزان التجاري لصالح الدولة فترتفع بذلك قيمة العملة الوطنية . و سيؤدي ارتفاع قيمة العملة المحلية إلى رفع القوة الشرائية للمواطنين مما يخفض مستويات التضخم . و التضخم هو النقطة الخامسة في هذا المقال المتواضع .

خامساً : إن ارتفاع الأسعار الذي ينوي دولة رئيس الوزراء خفضه الآن يعزى في جانب كبير منه إلى التضخم . فقد أصبح النقد المتداول أكبر بكثير من حجم السلع المطروحة في السوق . و قد اعتمدت الدولة سياسات نقدية عديدة خلال الفترة الماضية لامتصاص فائض النقود و لكن باءت المحاولات بالفشل لأمرين . الأمر الأول هو أن الدولة في ظل الحرب صارت هي الأكثر حاجة إلى النقود لتصريف أعمالها فضخت الكثير من النقود في سبيل تلبية احتياجاتها . و الأمر الآخر نتج عن تدهور الإنتاج المحلي و زيادة الواردات مما أخل بالميزان التجاري الذي كانت نتيجته الحتمية تآكل سعر صرف العملة المحلية .

للأسف نحن نعيش انهياراً اقتصادياً حاداً ( بحسب توصيف البنك الدولي ) و ليس الأمر مجرد أزمة أو فجوة قابلة للرتق و الترقيع . و التعافي من هذا الإنهيار يتطلب إرادة و جهداً وطنياُ خارقاُ . و معرفة حجم الكارثة التي نعيشها بالأرقام تمثل أولى الخطوات في السير في جادة التعافي . و لما ظللنا نعيش مناخاً ثقافياً يستخف بلغة الأرقام و حتى إن استخدمناها فإننا ( نقطع من ريسينا ) فليس أمامنا الآن إلا تقرير البنك الدولي الصدار قبل نحو أسبوعين من الآن بعنوان ( العواقب الإقتصادية للنزاع , رسم طريق التعافي ) .

يتوقع التقرير أن يشمل الفقر المدقع 71 % من السكان . أي أن 71% من السكان سيعيشون على أقل من 2.15 دولار في اليوم . و بالتالي فإن الأسرة المكونة من خمسة أفراد إن قل دخلها الشهري عن تسعمائة الف جنيه فهي ليست فقيرة فقط . و إنما هي تعيش فقراً مدقعاً . و يقول التقرير أن معدل البطالة ارتفع إلى 49.59 % ( قول خمسين بالمئة ) . فذلك يعني أن مجرد خفض أسعار السلع لا ينفع نصف مواطني البلاد بشيء لأنهم عطالة لا دخل لهم بالأساس . و لا يستطيعون الحصول على السلع إلا إذا قدمت لهم مجاناً .

و يقول التقرير أن الاقتصاد السوداني سوف لن يستطيع العودة إلى وضعه ما قبل الحرب قبل حلول عام 2031 فتأمل !!! العودة إلى حال ما قبل الحرب ذلك الواقع الذي يذكرني قول الشاعر : و رب يوم بكيت منه ,,, و لما صرت في غيره بكيت عليه . و حتى إمكانية العودة إلى ذلك اليوم الذي بكينا منه حينها و بتنا الآن نبكي عليه مشروطة باتخاذ إجراءات محددة منها : استئناف دخول السودان في مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون للحصول على إعفاء ضروري بمجرد تحقيق السلام . و عدم إعادة دعم السلع الأساسية خاصة الكهرباء . و الاحتفاظ بسعر صرف موحد . و إجراء تغيير جذري في الإنفاق الوطني من خلال خفض الإنفاق العسكري و الأمني و توجيه الإنفاق نحو القطاعات الاجتماعية و الإنتاجية مثل الاستثمار الزراعي و دعم المجتمعات الريفية . و تشمل الإجراءات كذلك إعادة نظامي التعليم و الرعاية الصحية لاستعادة رأس المال البشري .

أعلم أن لدينا حساسية وطنية مزمنة من مجرد ذكر ( سيرة ) البنك الدولي دعك من تقاريره و وصفاته السحرية . فدعونا نرمي تقريره آنف الذكر في البحر و لكن بشرط أن نؤسس لأنفسنا تقارير و خطط و برامج و وصفات علمية مبنية على الأرقام الحقيقية للتعافي الوطني و المضي بثبات نحو المستقبل .

زر الذهاب إلى الأعلى