آراء ومقالات

عبدالحميد عوض يكتب : الانتماء الحزبي ليس جريمة

عبد الحميد عوض 

لم يحترم رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، خيارات ملايين السودانيين والسودانيات الذين انتموا عن صدق وإيمان لأحزاب سياسية، سواء في اليمين أو الوسط أو اليسار، وذلك حينما وضع ادريس شرط عدم الانتماء الحزبي كواحد من شروط المنافسة على وظائف قيادية في الدولة.

الأمانة العامة لمجلس الوزراء، أعلنت في السادس والعشرين من الشهر الجاري، فتح باب التقديم لوظائف قيادية في الحكومة، وذلك استنادا لخطاب من رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، وطبقا لما اوردته وكالة السودان للأنباء، فان عدد من الشروط وضعت للتقديم لتلك الوظائف، منها شرط عدم إنتماء “المتقدم” لحزب سياسي بحيث تكون المنافسة محصورة فقط على غير المنتمين سياسيا(فلوترس)

في البداية انتابني الشك في صحة الخبر، أو بالأحرى في عدم صحة الشرط أعلاه، لكني وجدت الخبر منشورا ايضا في الشريط الإخباري للتلفزيون الحكومي، وانتظرت يوما ويومين، ظنا مني أن مصدرا مسئولا أو “غير مسئول” سيخرج إلى العلن أو من وراء حجاب لينفي وجود ذلك الشرط لما فيه من تجني على حق إنساني طبيعي ولما فيه من مخالفة دستورية و قانونية، عدا عواره السياسي والاداري، كما يظهر فيه دكتور رئيس الوزراء دكتور كامل إدريس وهو في اسابيعه الأولى في المنصب، ملكيا أكثر من الملك، وعسكريا أكثر من العسكر، على الرغم من أنه رجل مدني ليبرالي يؤمن بالمساواة بين المواطنين دون تمييز، أو هكذا يظن بعض الناس.

1/طبيعي :

من الطبيعي أن يكون لكل إنسان في هذه البسيطة حق الإختيار السياسي، وهو باب من أبواب الحرية التي أتت بها كل الأديان، والحرية هبة من هبات الله لخلقه، والانسان في النهاية كائن مجتمعي يعمل جنبا إلى جنب مع محيطه الجمعي، والانتماء الحزبي شكل من أشكال العمل الجمعي والمجتمعي، ولا ينبغي تقييد ذلك بأي شكل من الأشكال.

2/دستوريا:

كل المبادئ الدستورية في العالم تؤسس إلى المساواة بين المواطنيين، وعدم التمييز بينهم لا على أساس العرق او اللون او الدين او النوع او التوجه السياسي، وتضع الدول المتقدمة التي عاش فيها الدكتور كامل إدريس غالب حياته، اسسا متينة لمنع كآفة اشكال التمييز، والتشديد على منح أي مواطن حقوقه الدستورية كاملة غير منقوصة، بما في ذلك حقه في العمل، وعدم حرمانه من ذلك الحق ولو بالقانون أو قرارات حكومية، أو إجراءات مدنية عادية، وحتى الوثيقة الدستورية لسنة 2019 الحاكمة المنقلب عليها في 2021 والمعدلة سنة 2025، تنص بشكل صريح في المادة (45) 1 على أن (تكون المواطنة اساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين) بالتالي فإن الشرط أعلاه والصادر توجيها من رئيس الوزراء دكتور كامل إدريس، يعد مخالفا لنص دستوري صريح، إذ لا يمكن حرمان مواطن سوداني من حق العمل والمنافسة على الوظائف كبرت او صغرت، بسبب ولائه الحزبي، خصوصا وأن الدستور نفسه شرعن للانتماء الحزبي ولم يضعه في خانة الجرائم التي تمس الشرف والأمانة، بل جعل منه ضمن روزنامة وثيقة الحقوق المدنية، كحق أصيل لكل سوداني وسودانية، كما جاء في الوثيقة الدستورية نفسها، تحديدا في المادة 58 التي تكفل لكل فرد الحق في حرية التنظيم مع آخرين بما في ذلك الحق في تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات والنقابات والاتحادات المهنية أو الانضمام إليها.

كما نصت المادة 59 على حق كل مواطن في المشاركة السياسية، ولم يحرم الدستور المنتمي حزبيا حال انتمائه لأي حزب.

بمثل ما خالف الشرط المعيب نصوص الدستور، لم أجد قانونا واحدا بما في ذلك قانون العمل لسنة 97 تعديل 2020 نصا يعطي الأمانة العامة لمجلس الوزراء او كامل أدريس نفسه، صلاحية وضع هذا الشرط.

اذن من الناحية الدستورية والقانونية، يمثل شرط عدم الانتماء الحزبي، مخالفة واضحة يستطيع أصغر محامي تخرج حديثا من كلية القانون، الطعن فيه، والحصول على قرار بابطاله ووقف العمل به والغاء أي اجراءات مرتبة عليه، ويمكن ان يحدث ذلك اليوم او غدا او بعد سنوات، متى ما توفرت الآليات التي يتم اللجؤ إليها لها في مثل “الفاولات الواضحة”

3/سياسيا:

من الناحية السياسية، فإن ذلك الشرط يبدو أنه جاء في سياق حملات أوسع واعمق، هدفها شيطنة الأحزاب السياسية، وجعلها شماعة تعلق عليها كل اوزار الخيبات الوطنية، وهو عمل سياسي ممنهج تفوح منه روائح انتقامية لايحتاج أي صاحب بصيرة الى جهد كبير لادراكها وفهم مراميها، فالشرط المعني يجعل من الانتماء الحزبي وكأنه وصمة عار لا يحق لأصحابها تبؤ المناصب القيادية في الدولة، ويرسل رسالة سالبة تجاه العمل المدني السلمي ككل، ويشوه صورته، وهو عمل احوج نحن ما نكون اليه في هذه الفترة، وذلك في ظل تمدد فكرة العمل العسكري وحمل السلاح كاقصر الطرق لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية والشخصية، مع تصدر المليشيات والجماعات المسلحة والحركات للمشهد ومحاولة فرض اجندتها بالقوة، فالعمل السياسي المدني والمنافسة السياسية المدنية السلمية وحدها كفيلة بادارة اختلافاتنا عبر وسائل الحجة والاقناع لا وسيلة السلاح “وبندقيتي وبندقيتك”، ومن اللافت هنا أن الشرط المعيب لم يمنع المنتمين لتلك المليشيات والحركات، من التقديم لتلك الوظائف القيادية، بالتالي يمكن أن ينجح احد رموز الملايش في الظفر بوظيفة متأبطا سلاحه في ساعات الصباح، ويذهب لممارسة رياضة التمليش في المساء، ويمكن كذلك ان يستخدم آخر سلاحه ليضغط به على الدولة اذا لم يحصل على الوظيفة، المافي شنو؟

ضف إلى ذلك أن السيد كامل إدريس لم يشدد في شروطه وتوجيهاته على شرط ظل يتكرر في بعض المرات في مثل هذه الحالات وهو شرط عدم الادانة بحريمة تمس الشرف والأمانة عليه يحق القول أن الوظائف القيادية في الدولة مفتوحة ومتاحة للصوص والمجرمين وممنوعة عن الصرف للمنتمين حزبيا.

4/اداريا:

ح على المستوى الإداري والفني المحض، قد تجد واحد من المنتمين حزبيا أكفأ من بقية المنافسين وحينما نحرمه من التقديم نكون فقدنا كفاءة من الكفاءات ربما تستطيع أن تقدم اضعاف واضعاف ما يقدمه الآخرون، وهذا أضرار بالدولة عن عمد وترصد، والواجب هنا وضع الكفاءة كمعيار أساسي للتوظيف، وأن نفعل آليات المراقبة الفعالة على الموظفين للحد من استغلال مؤسسات الدولة لصالح أجندة الحزبية أو الشخصية وخلافه، وذلك هو المحك الفعلي، وقبل ذلك تفعيل النصوص الدستورية الخاصة بتفكيك تمكين الإنقاذ وهو تمكين أساسه الولاء وليس الكفاءة وهذا ليس قولي إنما اعترافات عتاولة الانقاذيين.

6/ احباط:

واحد من الأسباب التي دفعت دكتور كامل إدريس نحو منصبه هو التحول المدني ولو ظاهريا، واقناع العالم بذلك، والتحول المدني واحدة من اهم ركائزه هو الحياة الحزبية، فكيف لرجل جاء ليقود المدنية أن تكون أولى قراراته محاربة الأحزاب ومنتسبيها.

سؤال:

ما موقف أحزاب بورتسودان من هذا الاجراء وهل يؤمن هئولاء فعلا بالعمل الحزبي؟

فتكم عافية

زر الذهاب إلى الأعلى