آراء ومقالات

جعفر عباس يكتب : يكفيني أنني حي

جعفر عباس

كثيرون يشكرون الله لأنه أسبغ عليهم هذه النعمة أو تلك: مال، عقار، صحة، عيال، إلخ، ولكنني أعتقد أن أكبر نعمة حباني الله بها هي “الحياة”، أقصد بالتحديد كوني حياً حتى “هذه” اللحظة. نعم، عندي دخل مادي شهري لم أكن أحلم به، ولي عيال ورثوا وسامتي وذكائي!! ولي أقارب وأصدقاء أحبهم ويحبونني، وأكرمني الله بأب عطوف، وأم حنونة كانت – وأنا شحط طول في عرض – تزور سريري في ساعات متأخرة من الليل لتتأكد من إن جسمي مغطى جيداً للوقاية من البرد أو البعوض. واستعانت إحدى طالباتي بالشيخ **** وأقنعتني بزواجها، ووجدت فيها رفيقة طيبة ووفية و”صابرة”، حمتني من كيد الممثلات والمطربات والمذيعات اللاتي ظللن يتحرشن بي طوال السنوات الأخيرة (ولكنها ليست من أنصار الديمقراطية “التعددية”).

أعتقد أن النعمة الكبرى هي أن أشهد صباحاً جديداً سواء كنت مريضاً فيه أو معافى. كيف لا وقد مارست في طفولتي وصباي كل ما يعتبره الطب الحديث مهلكاً وقاتلاً: لا أظن أنني كنت أغسل يدي قبل الأكل، ولو غسلتها لكان الماء نفسه بحاجة إلى من يغسله. وكنت ألتقط التمر والنبق من الأرض وأضعه في “الخلاط” الذي هو فمي، ثم لا أشكو من مغص أو عسر هضم. وكنت في غير أيام الدراسة أخرج من البيت مع طلوع الشمس، وأعود بعد غروبها، أدخل وأخرج إلى ومن بيوت الجيران دون استئذان، لأنه ما من أحد كان يبقي باب بيته مغلقاً. كنت أقضي نصف اليوم في اللعب، ونصفه الآخر في مشاجرات تنتهي بتدخل أحد الكبار ليضربنا جميعاً دون أن يسأل عن الجاني والمجني عليه، ثم يشكره أهلنا على ما فعل.

كان أهلنا يصنعون الخبز بأنفسهم، وكان الخبز المجلوب من الأسواق يستخدم كـ “تحلية”، وحتى بعد أن عرف أهلنا البيبسي والكوكاكولا، كانوا يستخدمونها فقط كدواء مسكن لآلام المعدة. وكان أبي يحصنني من القمل بحلاقة شعري بموس تعود إلى عهد نبي الله موسى، وبداهة فقد كانت كالمحراث تغوص في فروة رأسي وتصيبني بكدمات ما زلت أحمل آثارها، ثم يضع على رأسي عجين الذرة للترطيب، وهو ما يسمى اليوم “آفترشيف after shave”. باختصار، كان هناك صلح بيننا وبين بيئتنا: تستضيف أجسامنا الجراثيم والميكروبات نظير عدم تحرشها بنا لأن “الحالة واحدة”. وكنا ننام نحو عشر ساعات يومياً، إذ كان الظلام في بلدتنا كثيفاً وسميكاً، وكان السير فيه بمثابة الخوض في مياه عميقة.

واجتزت تلك المراحل المبكرة دون أن أدخل مستشفى، بل لم يعرف جسمي الإبرة الطبية إلا وأنا ابن 19 سنة، ولم تبدأ متاعبي الصحية إلا في عصر الأكل المصفى والماء المفلتر والشوكة والسكين والموكيت والكلينكس والسيراميك والقنوات ورزان وليليان. وما تبقى في جسمي من حصانة ومناعة يعود بالتأكيد إلى مرحلتي الطفولة والصبا!! وتلك نعمة بها أحدّث.

زر الذهاب إلى الأعلى